حبالٌ من مَسَد

وليد فرحان

المسافة تتسع بدل أن تضيق بين الواقع والمثال، ما يحدث على الأرض غرفٌ من المتشابه الذي يأخذ عقول الناس ويسلبها تفكيرها بالطريقة نفسها التي حدثت بالأمس، الأمس القريب والبعيد على السواء لا ينفع الحِجاج على جدوى البقاء في أسر التاريخ المتشابه فهو المقنع الى حدّ ما، وما الذي يفعله التاريخ لمن كان بلا حاضر؟، ثمة تطامن على بقاء الواقع يناضل لتمثل الأثر، أو التسليم لنجاح محدود ينجو من خسارات مرّة تتكرر في تاريخنا بشكل طبيعي، ألذلك نحن نحتفل اذا ما قتل منا عشرة ولم يقتل منا مئة؟، أفي تقليل عدد القتلى نجاحٌ أم هو استمرار لتاريخ متشابه يقرّر أن الحافر يدوس على حافر قديم في طريق واحد؟، لكن  ما جدوى الحِجاج حقاً على التاريخ ونحن "تاريخيون "من نوع خاص، وهِموا بصنّاع تاريخ داسوا حافراً قبلهم؟، كيف يكفّ هذا التوالد والتفريخ؟، كيف يتخلى الأبطال عن أدوارهم " التاريخية" في جرّ الناس الى المحرقة والبقاء في منطقة آمنة للتحريض والفرجة؟، كيف نخرج نحن من دائرة الحافر الضيقة وقبلها كيف نعزف عن صناعة الأبطال الآمنين كما يقول التاريخ والحاضر أيضاً؟، كيف نتخلى عن كوننا دماء جاهزة لزمن لا ترتبط البطولات فيه بغير الكوارث والخيبات؟.

في ظني لا يكسب التاريخ حملته في الدفاع عن بقائه حياً في الضمائر الا بصنع أبطال جدد، يشبهون أبطالاً من محاربين قدامى حصدوا بطولاتهم من الكلام والدّعة فقط، بمعنى آخر يمكن للتاريخ أن يبقى في الحاضر ـ لكي نبقى عالقين فيه الى الأبد لأننا بلا حاضر ـ اذا ما شاء الحاضر تصدير أبطاله على صورة أبطال الحروب التاريخيين أو تسويق الحرب نفسها كحرب للأبطال والمصير، قد نخسر الحرب والناس لكننا سنربح بطلاً!.

كلا الأمرين بني على أمرين شبيهين بهما، وهما تقريب الواقع من المثال عن طريق صناعة "بطل" بمواصفات تاريخية، يُركِع المثال تحت قدميه ويطمئن الناس أنه بينهم وتحويل التاريخ ـ بالأخص تاريخ البطل ـ الى نصّ مقدس لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه حتى يضمن تطابق الأثر وبالتالي ننشد بحبال من مَّسَد الى الماضي، هذان الأمران يسمنان كلّما زادت المسافة شساعة بين الواقع والمثال، آنئذ يلتجئ المرء الى مكان يأمن فيه من قسوة الواقع وليس غير التاريخ مأوى للضالعين بنبش الأثر والركض وراء الأبطال، لا أعرف سوى هذين الأمرين ميداناً لتأثيم دعاة التاريخ الذين ليس لهم همّ غير توطين المتشابه وربط الحروب بخيط رفيع يقول إن الحروب المقدسة عادة ما تصنع أبطالاً مقدسين بالضبط مثلما يوهم الأبطال المقدسون أتباعهم بقداسة الحروب التي تخاض من أجل أن يصبحوا أبطالاً وأتباعهم موتى!.

للآن يخشى التاريخ المقدّس التحقيق في حرب الجمل مثلاً أو حرب صفين، للآن يصدق القوميون أن صدام احتل الكويت للقضاء على أسطورة الحدود المصطنعة وهو في نظرهم البطل المثال، في صفين عندما قتل عمار بن ياسر فجع معسكر معاوية بمقتله ـ مع انهم قتلوه ـ لأنهم كانوا أمام نصّ مقدس يحولهم الى فئة باغية، كان الحلّ بمرتبة الذهول، قرأ معاوية النص بطريقة تليق بـ"بطل" لا يفكر أتباعه عندما يفكر، قال إن من قتل عمارا هو من أخرجه للقتال وليس نحن وانتهى الأمر.

 حيلة مثل هذه نراها اليوم بكثرة، تنطلي علينا ببساطة، ما كان همنا تغيير الأبطال حتى نثبت كمقاتلين أشدّاء في كلّ حرب تشتعل، لا يتغير فيها شيء سوى الأبطال، نأخذ فاصلاً لتبديل البطل ونتهيّأ لنكون حطباً مرّة أخرى، كلّ ما نفعله لنتهيّأ، التدرّع بما يعشق البطل الجديد وتغيير الزيّ القديم وتعلّم امتيازات هؤلاء الأبطال، الثابتين على مفارق الطرق التاريخية ونفث المقدّس فيها، فهم بصفات تتشابه لكن بأسماء تختلف!.

 

   الرافدين
www.alrafidayn.com