|
محــنة هويــة
صلاح بصيص
القوانين
الوضعية ظاهرة تاريخية، سبقت الإسلام وتشريعاته، وهذه القوانين تتطور من جيل
لآخر حسب حاجة الطبيعة وساكنيها، وبناء على مطالب الحياة المتنوعة... ولا يكاد
يخلو مكان من قانون ينظمه، حتى الغابة، التي قانونها ان يأكل القوي
الضعيف...فدون كل مجتمع قانونه الذي ينسجم مع بيئته وهويته، كالمملكة،
والجمهورية، والسلطنة وغيرها... ومن ثم اللغة، والموقع الجغرافي، والتوجه،
والقومية. ليلتزم به الجميع، وليكون الحد الفاصل بين العقوبة والعفو، وخصص له
خبراء ليكونوا حراسا أمناء على تحقيقه بالعدل والمساواة بين الجميع، لا فرق بين
جماعة وأخرى، بالنوع أو الجنس، او غيره، وصار الكل سواء أمام القانون.
وعلى الرغم من
الجهود التي تبذل في تشريع القوانين، إلا انها تبقى ناقصة لان اغلبها لا تترجم
الى واقع ينقذ الرعية من ظلم وحرمان وتسيد طبقة على أخرى وغيرها، فضلا عن عدم
مواكبة التقدم الذي تسعى إليه الأمم المتطورة، والتقوقع في بؤر الجهل والتخلف،
وهو ما ولد عدم تعايش بين أبناء المجتمع الواحد، ولان مشرع القانون نفسه لا
يلتزم بتطبيقه. فرضت امتيازات خاصة لأولئك الذين يحرسون المؤسسات الحكومية،
والأملاك العامة لضمان استمرار التجاوز على القانون، وليكونوا جلادين وحاكمين
في الوقت نفسه وليتحقق كثير من الظلم نتيجة غلبة مصلحة الفرد على مصلحة
الجماعة التي لم يقرها القانون، والتي التزم بها جميع حراس المؤسسات الحكومية،
والبنود القانونية التي تعالج موضوعة ان للجميع الحق في خيرات هذا البلد،
فالأكيد ان خيرات البلد تبدأ بالمسؤول وتنتهي إليه (حتى بعد إثبات فساده او
انتهاء مدة مسؤوليته).
وهو الناتج الذي
أكد غربة الهوية العربية والعراقية على وجه الخصوص وتعدديتها، واشتد نفور
الناس ليصل إلى اللغة والتربية والتوجه، والتصق الفرد بثقافة الغرب الناضجة
التي ضمنتها قوانينهم، من خلال التصاقه بالهوية الغربية وهي النتيجة الحتمية
بعد انحلال الهوية العربية وانهزامها بوجه التطور الغربي الذي امتد ليسيطر ليس
على اللغة فقط بل على كل مرافق الحياة الاخرى...
ورغم وجود كل
بنود الحضارة من حرية ومساواة ورقي في الدساتير المتعاقبة على العراق -مثلا-
إلا انها لم تتجاوز دفتيه ولم تجد لها مساحة التطبيق في العالم الخارجي
الواقعي، بل على العكس كل ما في الدساتير هو خلاف ما في الواقع ما عدا بعض
الأمور الاجتماعية التي يلتزم بها المشرع (كالزواج مثلا)...
وكما يقول ابن
خلدون المغلوب يولع بتقليد الغالب... فالحضارة العربية مغلوبة ومهزومة ومنحلة
لذا فحري بأبنائها ان يتوجهوا لتقليد كل ما يرون فيه الأصلح للإتباع، لذا فترى
ان موج الثقافة الغربية اجتاح بقوة كل ما تبقى من ثقافة عربية او إسلامية لم
ترتق إلى مستوى يحفز المتلقي على الركون إليها...وخلص الأمر إلى شمول كل قيم
المنظومة الفكرية، والأخلاقية، إلى التقليد نحو التغيير ، لانها منهزمة وفي
الوقت نفسه تملك مشروعية مواكبة الحضارة والرقي والتقدم...
فلا يصلح العرب
اليوم إلا ان يكونوا هدفا لاختبار الأسلحة الفتاكة والمتطورة الغربية التي تصنع
من أموالهم... ولا يصلحون كذلك إلا مستهلكين لكل ما يصنعه الغرب، وكل ما يقدمه،
وكل ما ينتجه، في شتى المرافق، كالسينما، والتأليف، وسن القوانين، والسياسة،
والاجتماع، واحترام الرأي، وحتى المواد الأولية، والمنزلية، والخ....
بفضل جور
القوانين عند اسقاطها على الواقع أصبحت المفاهيم الغربية اقرب للعربي من
المفاهيم الشرقية والعربية، وهي إنذار لسحق تام لكل
الثقافات
العربية، التي وقفت مذهولة بل وتلاشت على أعتاب التكنولوجيا الغربية...
في الشرق لا نجد
بديلا عن تجاوز القانون، فتجاوز القانون أسهل من تنفيذه، ولكي يكون ثمة تكافؤ
وتوازن في العلاقة بين الإخلاص والعمل بالنسبة للمشرع، والتنفيذ والطاعة
بالنسبة لجميع أفراد المجتمع، فلا بد ان يكون القانون مقبولا من قبل الناس
أجمعين، وان يلتزم المشرع نفسه بتنفيذ القانون لكي يستطيع إلزام الجميع به
بصورة عادلة، وان يوافق مضمون القانون لب الواقع ولا يحيد عنه، او يتجاوزه، وان
لا يصادر حرية الأقليات، وان لا تتحول الأكثرية إلى آفة تلتهم كل من يتعايش
معها من أقلية، والأهم من ذلك كله ان تترجم سبل المقاومة الحضارية من خلال
مواكبة الحضارة والتطور الذي تشهده البلدان الغربية لكي يلتزم الناس بثقافة
عربية خالصة، وان نتخلص من ثقافة السلاح التي ارجعتنا إلى عصور النيادرتال، وان
تكون الحريات مكفولة، فلا سلطة لجهة على اخرى، ولا إكراه في اتباع مذهب او دين،
وإن كان الأمر مستحيلا أو اقرب الى المستحيل لان الغزو الاقتصادي والفكري
الغربي أجبر الشرق على مسايرته وبدأت حتى اللغة العربية تنسف من خلال المصطلحات
الحديثة في الطب والهندسة والمناهج الاخرى لتجد بعض البلدان ان اللغة العربية
ليست بذات شأن قياسا باللغة الانكليزية التي اصبحت لغة العصر ومفتاح العلوم...
الرافدين
www.alrafidayn.com |