|
النـوم في
صناديـق الشـر!
أحمد عبد السادة
(الوعي في الشر)
جملة مقلقة تسكن في ديوان (أزهار الشر) لبودلير، جملة لا بدّ أن يقال عنها
بأنها تثير ارباكا في أرض المفاهيم المتعارف عليها والمسلم بها، وبالتالي فانها
تستدرجنا حتما الى أن نغرس بالقرب منها سؤالا مستغربا مفاده: هل يمكن للوعي أن
يصادق على الشر؟!.
لا شكّ أنّ طرح
هذا السؤال المستغرب سيثير استغرابا من البعض باعتبار انّ الوعي - كما هو
متعارف عليه - منظومة ايجابية لا يمكنها الا استيعاب ومباركة ما ينفع الانسان
ويطوره ويحمي وجوده وكرامته ورفاهيته، غير أنّ بودلير لم يكن ساذجاً ولا مجرماً
عندما أطلق تلك الجملة الثقيلة في ديوانه، فهو يشير طبعاً الى نقطة سحيقة وخفية
كامنة في الذات البشرية وهي نقطة يخشى الكثيرون من النظر اليها ناهيك عن
الاعتراف بها ومحاولة تفكيكها وكشف الجذور المختبئة تحتها، وهذا ما يكشفه
ديستويفسكي في اشارته الى ان هناك افكارا لا نستطيع ان نتكلم بها سوى مع
انفسنا، كما ان هناك افكارا نخاف ان نطرحها حتى على انفسنا، فمن منا مثلا لم
تقتحمه وتطل عليه يوما افكار شريرة وقام بردعها بالمنظومة الانسانية والثقافية
والاخلاقية التي يمتلكها والتي تكونت لديه من تراكم قراءات وخبرات وتحليلات
منطقية وفهم متقدم لواقع الوجود البشري.
هناك مفاتيح
عديدة في ازهاره الشريرة تخبرنا بأن بودلير في جملته المعلقة في بداية المقال
انما كان يقصد ذلك الشر الموجه ضد ذاته حتما وليس ضد الاخرين، ويمكن ان نعرف
ذلك من مفتاح جملته:( انا الجرح والسكين)، وبالتالي فاننا يمكن ان نعتبر أن ذلك
الشر البودليريّ هو من النوع المسكين لانه يعتنق نزعة مازوكية تتبنى تعذيبا
آكلا وقائلا للذات، وهذا الشيء بالتأكيد انما جاء نتيجة وعي بودلير الخاصّ
بذاته وبالوجود الضارب في اعماق الاستحالة واللامعقول.
غير أنّ ما
يؤرقنا ويصدمنا ليس ذلك الشر (الضحية) الذي مارسه بودلير بسخاء ضد ذاته، والذي
استعار صوته الاليم من القاموس الوجوديّ المكتظ بالقلق والعذابات والعزلات
الخانقة والعميقة في الوقت نفسه، أقول ان ما يؤرقنا ليس هذا (الشر!!) وانما ذلك
الشر الموجه صوب الاخر والهادف الى تحطيمه والتنكيل به ومحوه، ذلك الشر الذي
يستعير نبرة الجريمة اينما ولى وجهه وكيفما كانت انطلاقاته وتبريراته وأهدافه
التي تستند احيانا الى المقولة الميكافيلية البراغماتية العتيدة (الغاية تبرر
الوسيلة)، وهي مقولة تحمل ضمن حمولتها الفضفاضة جسوراً خطرة وكارثية لتمرير
الكثير من الانتهاكات الصارخة والمشاريع الدموية باسم المصلحة النهائية التي هي
نسبية حتماً، اذن نحن امام وعي آخر هو ما يمكن ان نطلق عليه (وعي المصلحة) وهو
وعي قاصر وسلبيّ لانه ببساطة لا تهمه آلام وجراح وحقوق الاخرين وانما تهمه
المصلحة الذاتية التي ستتحقق بالنهاية مهما كانت النتائج، وهو وعي سافل نراه
يتكاثر الآن في واقعنا العراقيّ ونرى بعض ممثليه البدائيين يرفعون السلاح
الاهوج تحت مسميات وعناوين مقدسة لتقويض مشروع بناء الدولة الوليد، وذلك من اجل
الحفاظ على المنابع غير الشرعية لثروتهم وسلطتهم الناطقة باسم عصور الظلام
والتحجر، كما نرى ايضا بعض ممثلي ذلك الوعي - واغلبهم من السياسيين - يتبارون
لاذكاء نار الفساد المالي والاداري واتخام خزائنهم الداخلية والخارجية بسرقاتهم
واختلاساتهم المهولة من المال العام من دون نأمة من ضمير.
هناك ايضاً نوع
من الشر يحاول أحياناً أن يستعير نبرة ملتوية وماكرة تطمح الى استدرار تعاطف
الاخرين وولائهم، وذلك عندما يقوم ذلك الشر بصناعة ارضية مفاهيم تحاول تبرير
وجوده بحجة الحفاظ على المصلحة العامة وحمايتها، والامثلة على هذا كثيرة في كتب
التاريخ والزمن الحاضر فقد قرأنا مثلا كيف استدرج هتلر الكثيرين من الشعب
الالماني ودفعهم الى المحرقة من أجل وهم اسمه مجد المانيا وسطوتها ورفاهيتها
الاقتصادية، كما رأينا كيف التفّ العديد من المثقفين والشعراء العرب والعراقيين
حول صدام عندما غزا دولة الكويت بحجة توزيع ثروات (الأمة) على ابنائها بالتساوي
بعد أن احتكرها لفترة طويلة الحكام (العملاء!) اشباه قارون كما كان يروج الخطاب
الاعلامي البعثيّ التعبويّ وقتها مراهنا على الشعارات العروبية الوحدوية
المفلسة وداعيا - بنبرة مضحكة - الى مجابهة ما كان يسميه (المخططات
الامبريالية) حتى لو دعا ذلك الى تحويل دولة متمدنة ومرفهة مثل الكويت الى دولة
شبيهة بالصومال، وحتى لو دعا ذلك الى تحويل المجتمع الى ثكنة عسكرية بدائية
تتغذى على العنف والاقصاء والاحتراب وتعيش في غفلة عن التمدن والحضارة.
في العالم
الادبيّ وفي رواية (الجريمة والعقاب) لديستويفسكي نرى صورة مصغرة لهذا الشر
الذي يدعي بأنه ينطلق من وعيه بـ (المصلحة العامة)، اذ يقوم (راسكولينيكوف) بطل
الرواية بقتل امرأة عجوز مرابية وسرقة اموالها تحت ذريعة ان هذه الاموال ستسهم
من خلاله بأنقاذ اشخاص عدة من العوز وتبني لهم حياة مستقرة يستحقونها، معادلة
أرهق راسكولينيكوف نفسه كثيراً من أجل ان يجعلها مقبولة ومبررة، لكنها اصطدمت
بالمنطق وبالناموس الطبيعي للنفس البشرية. لقد اصطدمت وحشية راسكولينيكوف
بانسانيته ليعلن بأنه لا يستطيع مطلقا ان يكون قاتلا متفوقا و(بطلا!)
كنابليون.. فتعذب وتمزق وانهار امام سطوع تلك الحقيقة الكونية البديهية: ان لا
أحد من حقه مصادرة حياة انسان ما لأنّ لا أحد ببساطة قد منح تلك الحياة.
في روايته
(صورة دوريان جراي) يقول أوسكار وايلد:( الخير هو ان ينسجم الانسان مع نفسه)،
وهذه الجملة ذات ضفتين فهي تطل من جانب على ضفة ايجابية تتمثل في اخلاص الانسان
لاعماقه وترجمة ذلك الاخلاص الى سلوك يومي من دون أقنعة، الا انها - أي جملة
وايلد - تطل من جانب آخر على ضفة سلبية تقتلع الخير من جذوره، اذ ليس من الخير
في شيء ان ينسجم الانسان مع نفسه في الشر مثلا، اذ من الممكن جدا أن يحدث هذا
الانسجام الشاذ، والتاريخ الانسانيّ حافل بالكثير من القتلة والطغاة والعتاة
الذين كانوا منسجمين جدا مع شرورهم بل ويعتبر بعضهم ان تلك الشرور رسالة مقدسة
كلفتهم بحملها وحمايتها ونشرها قوة علوية، ولذلك فهم جنود الله الذين سينتقم
بهم من الكفار والزنادقة والمارقين بسيف الامر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهذا
الشر ينطبق على المشاريع الظلامية العنفية التي تدعو الى اقامة امارات اسلامية
سلفية على ارض القرن الحادي والعشرين كما حدث سابقا في افغانستان مثلا عندما
قامت حركة طالبان بالسيطرة على الحكم لتقوم بتغييب وانتهاك كلّ ملامح الحضارة
والحرية والفن وبالتالي انتهاك القيمة العليا للانسان والحياة بمفاهيم وعقائد
أقل ما يقال عنها بأنها سليلة مغارات وكهوف وصحارى، كما ينطبق هذا الشرعلى كل
تيار دينيّ متشدد يريد أن يحكم الناس بقوة السلاح متلفعا بآيات حربية مقدسة غير
قابلة للحوار والجدل والاقناع مثلما يحدث الآن في العراق من قبل تيارات
وميليشيات تسير على خطى طالبان السوداء ولكن بأزياء وشعارات ومرجعيات مختلفة.
قد نتفق من
جانب معين مع المفهوم النيتشويّ الناصّ على أنّ لكلّ خيره ولكل شره، فما أعتبره
أنا خيراً قد يعتبره غيري شراً والعكس ممكن ايضاً، لكن من اجل أن لا تكون
المسألة سائبة وغير ملزمة بثوابت موضوعية معينة، لا بد من خضوع الشر والخير
الى معايير يحكمها المنطق لا المصلحة كما يحدث غالباً، أي بمعنى انه لا بد من
سيادة مفهوم عام عن الشر ليكون وتدا صامدا وحاكما في ارض التقلبات المفاهيمية،
لانه بدون ذلك الشيء سيصبح كل شيء مستباحا أو قابلا للاستباحة، وأعتقد ان هذا
الشيء هو الذي دفع سارتر الى أن يؤكد بأنّ حرية الانسان الجوهرية لا بدّ أن
تنتهي عندما تبدأ حرية الأخرين.
لنتفق اذن بأنّ
كل ما ينتهك ويؤذي انسانا هو شر حتى لو كان يُدعى خيراً في بعض المفاهيم
والعقائد المقدسة، وذلك طبعا باستثناء (الشر!) الذي يقترفه الانسان تجاه نفسه -
كالانتحار مثلا - فهذا حق طبيعيّ وبديهيّ لا تملك أية سلطة ،مهما كانت قداستها،
حق مصادرته !!.
الرافدين
www.alrafidayn.com |