بيـان إنتخابــي

أ. د سليـم الـوردي

اطلق على هذه المادة تسمية البيان Manifest  لانها تمثل دعوة الى تكوين رؤية واضحة  للمسألة الانتخابية. والرؤية هي غير النظرة او اللمحة، لانها تقاس بسعة المشهد الذي يلتقطه البصر. فالرؤية الانتخابية لا تنشغل باجزاء من المشهد الانتخابي عن الاحاطة به كله..

لا تنصب على رصد النواقص والثغرات في نظام القائمة المغلقة، والعمل على ترميمها ومعالجتها وحسب، بل تنصرف الى التأمل وامعان النظر في اهداف النظام الانتخابي المنشود، الذي يلبي متطلبات المرحلة التي يمر بها العراق وتناقضاتها. وذلك قبل الاهتمام بصياغة تفاصيل مبادئ وآليّات النظام الانتخابي.

مقتـربات

 1-1 قامت التجربة الانتخابية لسنة 2005 على اساس رؤية سلطة الائتلاف المؤقتة الى المشهد الانتخابي بموجب قراراتها: 92 و 96 و 97 في 3/5 و7/6 /2004. اما الان فقد اصبح اختيار النظام الانتخابي مهمة الاوساط السياسية العراقية. ولم يعد من المسوّغ لها منذ الان القاء تبعية النواقص والثغرات فيه على عاتق الادارة الاميركية بعد ان امسكت بيدها المفتاح الموحد master key  للمسألة العراقية برمتها.

2-1 لا تختزل الرؤية الانتخابية في انتقاء احد النظم الانتخابية الشائعة في بلدان العالم. بل تتطلب بادىء ذي بدء الاحاطة بالظروف التي تكتنف العملية السياسية في العراق،و لان النظام الانتخابي يعد اهم اركانها. وهو ما يدعونا الى الخروج عن شرنقة المفاهيم والمصطلحات والتوصيفات والمواقيت التي املتها الاجندة السياسية للادارة الاميركية.

3-1 رسمت الادارة الاميركية ملامح العملية الانتخابية على اساس رؤيتها للمرحلة الانتقالية التي حددت بدايتها مع انتقال السيادة الى العراقيين ونهايتها بتشكيل اول حكومة عراقية تعقب اقرار الدستور الدائم. ولم تستند في رؤيتها تلك الى معايير واعتبارات معرفية وتاريخية، بل الى مواقيت وسياقات اجندتها السياسية وحسب.

 اذا افترضنا ان الدستور قدم رؤية لنظام الحكم المنشود ـ فهي رؤية منقوصة لان الكثير من مواده لا تزال اما عائمة او خلافية ـ فإن البلد سيواصل مروره بالفترة الانتقالية، ويصعب التكهن كـم ستستغرق من زمن.

4-1 يترتب على ذلك ان جميع مكونات الشعب العراقي لم تستنفد حقها بعد في رسم معالم النظام السياسي المنشود. وهو ما يستلزم ضمان تمثيلها في مجلس النوّاب وإن صغر الحجم السكاني للبعض منها.

1-5 افـرزت تجربتيّ الانتخابات لسنة 2005 نتائج لا بـد مـن الافادة مـن دلالاتها مع مراعاة الظروف التي  احـاطت بها. وقد سبب البعض منها خيبات امـل للناخبين.  ويخشـى ان تترك اثراً سلبياً على اندفـاع الناخـب العراقـي الـى صندوق الاقتراع، ما لـم يتول النظام الانتخابي الجديد معالجتها.

نظام التمثيل الفردي

1-2 اصول النظام :

  يقوم هذا النظام على اساس المنطلقات الفلسفية للمذهب الفرداني Individualism  الذي بشرت به الثورة البرجوازية في الغرب، واجتذب قطاعات واسعة من المجتمعات الاوروبية واميركا. لما انطوى عليه من ترويج لحقوق الانسان واحترام استقلالية اختيار الفرد. بيد ان الفردانية كرست لاحقاً نزعة التغالب مع ترسخ اسس النظام الرأسمالي وتعمق توجهاته التوسعية. وفي ضوء ذلك روّج القاموس السياسي لمفهوم الاغلبية السياسية. وهو ترجمة لدلالات المضاربة والتزاحم في المجتمع الرأسمالي، حيث تقهر القطط السمان القطط الاضعف.

ويقوم نظام التمثيل الفردي على تقسيم البلد الى دوائر انتخابية جغرافية، حصة كل منها عدد من مقاعد البرلمان بموجب تعداد سكانها. ويفوز بالمقاعد البرلمانية المرشحون الذين يحصدون اكبر عدد من اصوات الناخبين.

2-2 مزايا النظام

أ - يحظى نظام التمثيل الفردي بشيوع واسع في معظم بلدان العالم بالمقارنة مع نظام التمثيل النسبي. ويعود ذلك الى الحرية والاستقلالية التي يتيحها للناخب في اختيار من يمثله.

ب - المساهمة في مواجهة ثقافة القطيع التي غرستها الانظمة الشمولية لدى الجماهير وانسلاخ الفرد عن نمطية الرؤية والسلوك وتشابه الاستجابة للمؤثرات، ولا يخول الراعي ان يفكر ويقرر بدلاً عنها. وبقدر ما تتشظى ثقافة القطيع تنتعش ثقافة الديموقراطية والتعددية.

ج _ يتحمل الناخب مسؤولية قراره في اختيار من يمثله. ولا يرمي بالمسؤولية على الاخرين (على من روّج للقائمة) اذا ثبت خطأ اختياره.

د - يحرص الناخب على التعرف عن كثب على المرشحين. وهو ما يقلل المسافة بين الناخب والمرشح.

3-2  مثالب النظام   

أ - يتعامل نظام التمثيل الفردي مع عدد الاصوات التي يحصدها المرشحون الفائزون. اما الاصوات التي تخفق في ايصال من يمثلها الى البرلمان فلا تكون محل اعتبار، وتعد بحكم الاصوات المهدرة، ما يكرس مبدأ الاغلبية السياسية يقابله حرمان قاطع لا يستهان به من الناخبين في ايصال ارائهم الى البرلمان.

  وفي مجتمع يعاني من التشرذم السياسي ترجح زيادة نسبة الهدر في ظل نظام التمثيل الفردي.

ب - يحرم نظام التمثيل الفردي الاقليات السياسية من الوصول الى البرلمان بسبب تشتت اصواتها بين الدوائر الجغرافية.

ج _ في مثل ظروف مجتمعنا ترجح السمات الشخصية للمرشح وانتماءاته اللاسياسية  (الاسرية والقبلية) الى جانب نفوذه الاقتصادي والسلطوي، على برنامجه السياسي   ( هذا ان وجد).

 نظام التمثيل النسبي

  مثلت تجربة الانتخابات في يوم 30 / 1 / 2005 اختباراً لجدارة نظام الدائرة الانتخابية الواحدة (المغلقة). وليكون تقييمنا لها موضوعيا ومنصفاً يحسن بنا مراعاة الظروف التي احاطت بها.

1-3 مزايا النظام

أ - اتاح النظام وصول عدد من الاقليات السياسية الى مجلس النوّاب وبلغ عدد الاصوات التي حصدتها قوائمها 590605 صوتاً. وكان معظم هذه الاصوات سيضيع في ظل نظام التمثيل الفردي، بسبب تشتتها بين الدوائر الجغرافية. وبلغ عدد القوائم الصغيرة الفائزة (التي حصدت من 1-5 مقعداً في البرلمان) 9 قوائم من مجموع 12 قائمة فائزة. ولولا اعتماد مبدأ ( الحد الطبيعي) ) Natural Threshold في التجربة الانتخابية الاولى، لازداد عدد القوائم الصغيرة الفائزة.

  ب - حقق النظام نسبة تمثيل عالية بلغت نسبة 94,7%. حيث بلغت اصوات القوائم الفائزة 8010520 صوتاً مسجلاً. وهو ما يعني بالمقابل ان نسبة الهدر في الاصوات كان في حده الادنى 5,3  %.

 ج _ بسبب انقطاع المجتمع العراقي لعقود طويلة عن النشاط السياسي الديموقراطي التعددي، ضعفت امكانية بروز رموز سياسية في الاوساط الجماهيرية. وكانت المدة الزمنية بين 9 نيسان 2003 وموعد الانتخابات في 30 / 1 / 2005 ـ وفي ظل ظرف امني معقد ـ غير كافية لظهور مثل تلك الرموز. الامر الذي جعل نظام المنطقة الانتخابية الواحدة صيغة مناسبة لتلك المرحلة.

    د - اتاح نظام القائمة تطبيق مبدأ الحصة النسوية الالزامية في مجلس النوّاب (الكوتا)، وخلافه كان من المتعذر صعود العنصر النسوي بهذه النسبة الى مجلس النوّاب، بسبب الثقافة الذكورية المهيمنة على المجتمع العراقي وقيادات احزابه وحركاته السياسية.

هـ - وأخيرا فإن مبدأ الديموقراطية التوافقية الذي قامت عليه العملية السياسية بعد 9 نيسان 2003، واعتمد في تشكيلة جميع الوزارات المتعاقبة لابد أن يجد له ترجمة موازية على مستوى السلطة التشريعية، ومن خلال نظام التمثيل النسبي في الانتخابات النيابية.

2-3 مثالب النظام

  أ - يتطلب نظام المنطقة الانتخابية الواحدة وعياً سياسياً متقدماً لدى جمهور الناخبين يؤهلهم لترجيح البرامج السياسية للقوائم على السمات الفردية للمرشحين. وهذا الافتراض غير وارد في مجتمعنا الذي امضى عقوداً طويلة في كهف الاستبداد والثقافة الشمولية. وما عقد المشهد ان القوائم الانتخابية لم تطالع الناخبين ببرامج سياسية تميزها عن بعضها البعض. وبدلا من ان تطور التجربة الانتخابية الوعي الوطني والمدني لدى جمهور الناخبين استنفرت ما يختزنونه من غرائز الانتماءات الطائفية والعرقية والفئوية. ما شرعن التخندقات التي تعرقل وصول العراقيين الى عتبة المجتمع المدني.. مجتمع المواطنة.

     ب - تهدف الممارسة الانتخابية الديموقراطية تحرير الجماهير من اصفاد الثقافة الشمولية التي طالما تعاملت بوصفها قطيعاً يوجهها الراعي في الوجهة التي يشاء. ومن المؤسف ان نظام القائمة المغلقة لم يساعد على تحقيق هذا الهدف. حيث فرضت قيادات الكتل السياسية ارادتها في تسلسل اسماء مرشحي القائمة، محددة مسبقاً فرص فوزهم. وبذلك تكون قد صادرت حرية قرار الناخب في اختيار المرشح الذي يؤثره على غيره.. وهكذا نقلت تلك القيادات اسلوب الإملاءات على قواعدها ـ بسبب ظروف العمل السري ـ الى الفضاء الجماهيري الديموقراطي. وقد تمخض عن تلك التجربة غربة بين جماهير الناخبين وممثليهم الذين فرضوا عليهم حتف انفهم.

    ج _ ضيع نظام القائمة المغلقة على الكثير من الشخصيات المؤهلة المشاركة في اعمال مجلس النوّاب واثرائها بخبراتها. بينما تسنمت مقاعدة ـ بحكم المعايير الحزبية ـ مجاميع من المرشحين لا تملك مثل تلك المؤهلات.

 المزاوجة بين النظامين

نظراً الى ان معالم النظام السياسي والاجتماعي الجديد للعراق لم تتبلور بعد، بسبب التشرذم السياسي، وغياب البوصلة التي تؤشر للمجتمع اتجاه سيره فإن من المجازفة الاعتداد باي من نظامي التمثيل : الفردي أوالنسبي. ويحسن بنا ان نراعي في اختيار النظام الانتخابي المناسب الاعتبارات ادناه :

1-4 لا تقتصر مهمة الانتخابات على بلوغ تشكيلة لممثلي الشعب في مجلس النوّاب وحسب. بل وتهدف في الوقت عينه الى تنمية الوعي السياسي الوطني والمدني لدى جمهور الناخبين.

2-4 معالجة تداعيات الغربة التي تمخضت عن نظام القائمة الواحدة المغلقة بين اعضاء مجلس النوّاب من جهة، وجمهور الناخبين من جهة اخرى، والتي قد تفضي الى عزوف الكثير من الناخبين عن المشاركة في انتخابات الدورة القادمة.

3-4 ان مثالب نظام القائمة المغلقة ينبغي ان لا يدفع بنا الى التراجع عن نظام التمثيل النسبي والتحول الى نظام التمثيل الفردي. لان ذلك من شأنه ان يؤدي في المرحلة الراهنة الى :

   أ - زيادة تشرذم المشهد السياسي اكثر ما هو عليه الان.

  ب - حرمان المكونات السياسية الصغيرة من امكانية الوصول الى مجلس النوّاب.

  ج - التراجع عن مبدأ الحصة النسوية الالزامية في مجلس النوّاب ( الكوتا).

4-4  مزايا نظام المزاوجة في ضوء الاعتبارات اعلاه وضماناً لفاعلية العملية الانتخابية لا مفر من اعتماد نظام انتخابي يزاوج بين التمثيل النسبي والفردي. يصمم على نحو يؤمن مزايا للعملية السياسية وللناخبين والمرشحين وكالآتي:

 أ - اتاحة الفرصة للناخبين الى التعرف عن قرب على اشخاص المرشحين عن دوائرهم، بما يزيد التفاعل بين الناخبين ومرشحيهم.

  ب - يجتذب الى مجلس النوّاب رموز اجتماعية وثقافية، يتعذر عليها الفوز بموجب تسلسل اسماء المرشحين في القوائم المغلقة.

  ج - يحفز الكيانات السياسية الى التقرب من الرموز الاجتماعية والثقافية والتعاون معها لتحصد من خلالها المزيد من الاصوات لقوائمها. وبالمقابل توفر تلك القوائم فرصاً اكبر لفوز تلك الرموز.

  د - الحد من تأثير اولوية تسلسل المرشحين في القوائم دون الغائه.

هـ - يلبي متطلبات قاعدة الحصة النسوية الالزامية ( الكوتا ) كحد ادنى. مع اتاحة الفرصة للعنصر النسوي لان يحصد مقاعد اكثر في مجلس النوّاب، في ضوء قدرته على استقطاب الاصوات النسوية.

  و - يحقق اعلى نسبة تمثيل لعدد الاصوات المسجلة، ويقلل من نسبة هدر اصوات الناخبين الى الحدود الدنيا.

  ز - تبين نتائج الاقتراع المرشحين الفائزين بموجب المنافسة الفردية (المرحلة الاولى من توزيع المقاعد ) واولئك الذين يفوزون بموجب تسلسل اسمائهم في قوائمهم ( مرحلة تجميع كسور الاصوات على المستوى الوطني ). وسيكشف ذلك عن المفارقة بين الرصيد الجماهيري الفعلي للمرشح من جانب والمعايير الحزبية التي حكمت تسلسل اسمه في القائمة من جانب اخر. وربما ساعد ذلك على تنوير الكيانات السياسية ان قواعد ومعايير العمل الجماهيري غير ما هي عليه في الحياة الحزبية الداخلية.

5-4 آلية نظام المزاوجة  اذا اتفق على مبادئ المزاوجة بين نظامي التمثيل الفردي والنسبي، فإن نمذجتها بصيغة نظام انتخابي وفق آليّة معينة، في اطر برنامج على الحاسوب، امر ميسور

 

   الرافدين
www.alrafidayn.com