وقود رخيص جدا

ساطع راجي

بينما تتصاعد أسعار النفط بسرعة جنونية تثير التفاؤل في منطقة الشرق الاوسط بشكل جزئي بسبب ما قد يترتب على هذه الطفرة السعرية من إرتفاع في أسعار السلع التي تستورده دول المنطقة المنتجة للنفط من الدول المستوردة للنفط، ولكن في كل الاحوال زيادة أسعار النفط مهمة لكن إنخفاض قيمة الحياة البشرية هو ما يهدد منطقتنا بالفعل، حيث تتوافر دائما أعداد كبيرة من الراغبين بالتحول الى وقود في حروب وحالات إقتتال بين متصارعين سياسيين يستضلون بمختلف الشعارات.

لقد برزت خلال السنوات الاخيرة حالة هستيرية من الرغبة بالموت بمجرد توفر جهة تمنح تبريرا ما مهما كان هشا لتسويغ الاندفاع نحو الموت، وإمتدت هذه الهستيريا من أفغانستان وحتى شمال أفريقيا وأنتقلت عابرة البحر المتوسط الى الجاليات المهاجرة من هذه المناطق والمستقرة في أوربا ليشكل أولئك المهاجرون سؤالا مستعصيا على الفهم السياسي والنفسي والاجتماعي، واليوم تضاف الحالة اللبنانية لنجد شعبا متحضرا شكل معبرا للحداثة والتمدن  في المنطقة وهو يوفر أعدادا كبيرة من الشبان بمختلف إنتماءاتهم ليحملوا السلاح بوجه مواطنيهم مانحين شتى القيادات السياسية وقودا لإنضاج مطامعها المتضاربة.

وقد شهد العراق أيضا حالة محمومة من الرغبة في حمل السلاح والقتل والموت في سلسلة غير مفهومة من الشغف بالعنف، كما أنخرط الشباب الخليجي المترف بالجماعات المتطرفة التي تحرض على الموت بشتى أشكاله وبمختلف شعاراته التي لا يمكن التأكد منها إلا بالموت نفسه في رهان صعب لا تصمد أمامه مختلف التحليلات والتبريرات.

هناك من المحللين من سلك الطريق السهل وتحدث عن القضايا العادلة، لكن جميع القضايا عادلة بالنسبة للمعتقدين بها وهذا لا يدفع بهم الى الموت من أجلها بالسهولة التي تشهدها منطقتنا، كما إن القوى السياسية كثيرا ما تبتكر طرقا أكثر فاعلية من الموت في الدفاع عن قضاياها بينما تسرع التنظيمات والحركات السياسية والعقائدية في منطقتنا الى دفع أعضائها الى الموت مسوغة ذلك (بالشهادة من أجل القضية) وكأن الشهادة / الموت هو الطريق المعبد نحو النصر وهذا ما ثبت بطلانه على مدى العقود المنصرمة فغمس القضية بالدم لا يسهل حلها بل ربما يعقده، والأسوأ من ذلك إن دعاة الموت لا يستحلونه لأنفسهم بل هو يصلح للآخرين فقط، ليواصل هؤلاء الدعاة بالترويج للموت.

حتى التبريرات الاقتصادية للإقبال على الموت غير كافية فغالبا ما تقاتل الشبان وماتوا لينتفع غيرهم إقتصاديا من موتهم وبالتحديد القيادات السياسية التي كانت هي نفسها سببا في التدهور الاقتصادي لعامة الناس.

لقد ظهرت خلال السنوات الماضية الكثير من قصص الانتحاريين الذين تحولوا الى مسارات الموت بسرعة جنونية لم تسمح لهم بالتفكير مرتين في جدوى ما يقومون به ولكن كان واضحا إن الذين يريدون الموت قتالا غالبا ما يرغبون بأخذ أكبر عدد ممكن ممن  يعتبرونهم خصوما أو أعداء معهم لتصطبغ حالات الموت القتالي تلك بالكراهية العميقة، وليتبين إن الحقد هو ما يدفع غالبا الى حمل السلاح، إنه حقد تدميري يستهدف الذات أولا لكنه يحتاج الى المرور بالآخرين للحصول على تبرير ما.

هناك مفارقات كبيرة  في هستيريا الموت المنتشرة في الشرق الاوسط، حيث تنخفض حالات الانتحار التقليدي كما يأخذ الانتحار المسيس أو القتال بصورة عامة طابعا دينيا في تأكيد على التفنن في الموت والعجز عن إنتاج دعائم الحياة بشكل مخيف، وهكذا نشهد يوميا إنخفاضا في قيمة البشر كوقود للحروب في منطقتنا وإرتفاعا في أسعار النفط حيث تتسابق الدول والشركات على مصادر الطاقة التي تدعم الحياة.

يبدو إن ثقافة هذه المنطقة لا توفر ما يكفي من مبررات الحياة ولكنها توفر منظومة كاملة من الدفع الى الموت ولهذا يزداد إحترام الانسان بعد وفاته وتذرف الدموع عليه بينما كان منسيا وهو يتألم من الجوع والبطالة والمرض والتشرد دون أن يأبه له أحد، إنها بالفعل عبقرية المكان الساخرة التي تجعل من الموت حلا لكل المشاكل.  

   الرافدين
www.alrafidayn.com