|
النزاهة ومتلازمة الفساد والفقر والإرهاب
الجزء الاول
فارس حامد عبد الكريم
لا يشعر الفقراء عادة بقيمة الانجازات المعنوية على الصعيد السياسي
والدستوري كالانتخابات الحرة وانشاء المجلس النيابي واقرار
الدستور، ذلك ان نتائجها تتجسد في المستقبل البعيد غير المنظور ، الا انه يشعر
بقيمة الانجازات المادية ويقدرها فهو يُقيم الحكومة التي تملأ بيته طعاماً
وخبزاً واطفالاً اصحاء متعلمين يمكن ان يحصلوا على
وظيفة في الحكومة.....
الفصل الاول: النزاهة والفســاد والفقـر
مقدمة حول الفقر في العراق
العراق بلد الحضارات والخيرات بحق ،فعلى ارضه نِشأت اول الحضارات الانسانية ،
ومن بين خمس انهار نشأت عليها الحضارات القديمة هي الاشهر تاريخياً ، ، يوجد
اثنان منها في العراق ، الفرات العذب ودجلة الخير ، وعلى هذا الحال فان العراق
بلد زراعي ، والى العراقي الفذ يعود اختراع ( الكتابة ) و( الدولة ) و (
القانون) و ( فكرة العدالة ) و ( المدينة الحضرية ) و ( علم الفلك ) و( القصة
الاسطورية ) و ( العجلة ) واول من انشأ (مكتبة) في التاريخ واول من فتح (
صيدلية ) واوا من وضع تقويم للزاعة كما انه اول من لعب كرة القدم........(1)
ومن جانب اخر فان العراق بلد سياحي ، حيث تتوفر فيه جميع انواع السياحة ،
سياحة طبيعية وسياحة تاريخية وسياحة دينية ، فضلا عن ثروة نفطية هائلة ، حتى ان
احد خبراء النفط العالميين قال ان العراق يطفو فوق بحر من النفط ، وتشير
الروايات الشعبية المتداولة ان الكثير من الناس قد خرج النفط في اراضيهم وهم
بصدد حفر اقبية او ابار للماء .
ونظرياً لا يمكن ان يتحقق الفقر والجوع في العراق ، الا انه وكما يقول السياب
في انشودة المطر ( ما مر عام والعراق ليس فيه جوع ) ، فمن الناحية الواقعية فان
شعب العراق وعلى مدى فترات تاريخية طويلة عانى من الفقر والجوع والمرض والظلم
والسبب فساد الطبقة الحاكمة، وضعف دور الرقابة الرسمية والشعبية .
مقومات الاقتصاد العراقي :
- المساحة الكلية: 430820 ألف كيلو متر مربع .
- السكان: حوالي 27 مليون نسمة .
الثروات الطبيعية:
-1 النفـط :يمتلك العراق ثاني أكبر احتياطي نفطي في العالم بعد السعودية حيث
يقدر مركز دراسات الطاقة العالمية في لندن أن العراق يمتلك 112.5 مليار برميل
من النفط في باطن الأرض لم يتم استغلالها حيث تشكل 11 % من الاحتياطي العالمي
، ويتوقع أن يرتفع هذا الرقم إلى 22 % من الاحتياطي العالمي إذا ما تم إعادة
الكشف والتنقيب عن البترول والذي توقف منذ عام 1980 .
ويتميز النفط العراقي بانخفاض كلفة إنتاجه حيث لا تزيد على 1.5 دولار مقارنة ب
2.5 دولار في السعودية وهي أدنى التكاليف العالمية على الإطلاق حيث تصل إلى
أكثر من 6 دولارات في مناطق أخرى من العالم مثل (روسيا ومنطقة حوض بحر قزوين).
-2 الغاز الطبيعي : تقدر احتياطاته في العراق بنحو 110 تريليونات قدم مكعب أي
ما يعادل 2% من الاحتياطي العالمي .
= الناتج القومي : تراجع من 75.5 مليار دولار عام 1989 إلى 26 مليار دولار عام
2002] .
=مستوى دخل الفرد السنوي : تراجع من 3500 دولار أمريكي في عام 1989 إلى 320
دولار فقط في عام 1997 .
- ارتفعت نسبة الإنفاق العسكري حيث بلغت 371% من الناتج القومي الإجمالي في
العام 2002
- انخفض الإنفاق على الصحة والتعليم في التسعينات من القرن الماضي الى 2003
إلى 1% فقط من الناتج القومي الإجمالي.
- متوسط العمر المرتقب عند الميلاد انخفض من 62 سنة في عام 1980 إلى 59 سنة في
عام 1999 .
- معدلات البطالة وصلت إلى 70% في عام 1999.
- تراجع ترتيب العراق وفقاً لدليل التنمية البشرية بين دول العالم من المرتبة
ال55 عام 1990م إلى المرتبة ال 127 في عام 1999 .
- ازدادت حدة مشكلة الديون العراقية حيث بلغت حوالي 450 مليار دولار في عام
(2003) ، أي حوالي ال 18 ضعفاً من إجمالي ناتج العراق القومي سنويا (2).
ويمكن القول ان من اهم التحديات التي تواجه العراق ، كدولة وكمجموعة انسانية
عريقة، تتمثل بصفة اساسية في الفساد الاداري والمالي . حيث يمكن اعتبار الفساد
احد الاسباب الجوهرية في دوام تحديات ماساوية مثل الفقر والتخلف وانخفاض مستوى
التعليم والرعاية الصحية ونقص الخدمات العامة ، وما يترتب على ذلك ، من تعميق
للظلم الاجتماعي واعاقة جهود التنمية في مجال الأعمار ومجال تنمية قدرات
الانسان العراقي ، فضلا عما تشكله هذه التحديات من تهديد أو هدر لحقوق الانسان
الأساسية. ومن جانب اخر فان هناك علاقة وثيقة بين الفساد والظواهر الاجرامية
الاخرى التي تقوم على تنظيم دقيق مثل عصابات الجريمة المنظمة ومنها المنظمات
الارهابية .
كما ويمكن القول ان هذه التحديات تشكل متلازمات او ان كل منها يُعد سببا ونتيجة
للآخر ، فالفقر صورة من صور الظلم وتعبير عن اختلال في قيم العدالة الاجتماعية
، وقد يقود الفقر الى الجريمة فيكون الفقراء مادة الارهاب الاولية. بينما لا
يستطيع الفقير ممارسة حقوقه الانسانية كاملة .
ويعمق الفساد الهوة بين افراد المجتمع ، حيث يخلق طبقة ثرية ، أثرَت على حساب
الشعب ، من خلال سرقة الأموال العامة المخصصة للتنمية والتعليم والصحة والأمن
،فتتدهور الأحوال الاجتماعية في كل المجالات وتنحدر فئة كبيرة من عموم ابناء
المجتمع نحو الفقر والحرمان والتخلف والمرض والجريمة ، بينما يتمتع اللصوص
،باعتبارهم نخبة اجتماعية بيدها المال والسلطة ، باسباب الرفاهية.
والحال ان هذه التحديات تمس وجود الانسان العراقي وتحد من خياراته وتطلعاته
المشروعة، كما انها ترسم صورة قاتمة لمستقبل الاجيال القادمة ، وتتطلب اهتماما
جديا من النخبة المثقفة في المجتمع وحرص حقيقي من قبل القائمين على امور السلطة
العامة من اجل معالجتها قبل استفحالها .
ان الطريق نحو معالجة هذه التحديات وازالة تركة الحرمان والتخلف الناشئة
والموروثة ، تتطلب ولا شك وقتاً ، ولكن في كل الاحوال ينبغي البدء بالخطوة
الاولى في كل مجال من هذه المجالات التي تشكل تهديدا حقيقيا لوجود الانسان
العراقي ومستقبله .
المبحث الاول
التجربة العراقية والدولية في مكافحة الفساد
تأثير الفساد السلبي على الاقتصاد الوطني امر متحقق دائما ولذا يبدو انه من
مستلزماته بل انه نتيجة طبيعية مباشرة له.
ومن جانب اخر يقلل الفساد من فرص الحياة والتعليم والاعمار والتنمية وفرص
الاستفادة من المعونات والقروض الدولية ويخفض من معدلات النمو بصورة كبيرة ،
كما يؤدي الى تدهور البنية التحتية والخدمات العامة بصورة مؤكدة .
ومن جانب اخر يسهم الارهاب المُنظم ، بانواعه واجنداته المختلفة ، واعوانه
المندسين في مؤسسات الدولة ، في تعميق ظاهرة الفقر ودعم وتوطين الفساد لأسباب
إقليمية سياسية معادية للعراق، وهكذا انفقت المليارات من الدولارات على اعمار
العراق دون ان يكون هناك اثر ملموس على حياة الناس وصحتهم ومستوى تعليمهم.
واذا كانت المرحلة السياسية الراهنة قد شهدت اهتماماً مشجعاً من قبل الحكومة
والقادة السياسيين العراقيين في مكافحة الفساد والحد منه ، وجاء في الفقرة
الفقرة (25) من مبادئ وأسس البرنامج السياسي للحكومة العراقية والتي تنص على
(وضع آليات فاعلة في مراقبة الإنفاق ومعالجة الفساد الإداري والمالي وتفعيل
المواد الدستورية الخاصة بذلك والتعهد بالالتزام بها).فضلاً عن التصديق على
اتفاقية الامم المتحدة لمكافحة الفساد لسنة 2003، كخطوة جوهرية على طريق تنظيم
مكافحة الفساد اقليمياً ودولياً ، الا ان الخطوة الاهم تتمثل بتفعيل دور
المؤسسات الرقابية الدستورية وخاصة مكتب المفتش العام وهيئة النزاهة ، بعد ان
تعثرت جهودهما لاسباب داخلية وخارجية متعددة كان من اهمها التركيز على الجانب
التحقيقي ابتداءاً واهمال الجانب الوقائي وهو جانب جوهري يعطل حركة مرتكبي
جرائم الفساد كما سنوضح لاحقاً، كما انها باشرت اعمالها دون ان يحصل كوادرها
على التدريب العلمي والفني الكافي ، ذلك ان مكافحة الفساد ، علم قائم بذاته
يجمع بين المعرفة النظرية العميقة والخبرة الفنية والمهارة التكنلوجية المتطورة
واعمال التحري السرية التي اكدتها اتفاقية مكافحة الفساد .
وحسب المعلومات المتوفرة لدينا فان اغلب اجهزة مكافحة الفساد النظيرة في مختلف
دول العالم ، لا تقبل تعيين الموظفين فيها الا بعد جملة من الاختبارات العلمية
والنفسية المتخصصة والمعقدة تمتد احياناً لمدة ستة اشهر على الاقل.
كما انها لا تسمح لمنتسبيها بمباشرة العمل الا بعد تدريب كاف يمتد احياناً الى
سنتين في الداخل والخارج ،وان يعمل بعد قبوله كمساعد للمنتسبين القدماء لنفس
الفترة.
وقد اطلعت شخصياً عند زيارتي لهيئة الرقابة المصرية على الاجراءات المشددة
للغاية التي تطبق على المتقدمين للتعيين ولفت نظري منها وجود طبيب نفسي يقوم
باختبار المتقدمين من الناحية النفسية والقدرات العقلية وكذلك مرحلة الاختبار
النهائي حيث يجلس المرشح للتعيين وسط دائرة منضدية واسعة تضم رئيس الهيئة
ووكلائه وعدد كبير من كبار الموظفين يقوم كل منهم بتوجيه عدد من الاسئلة اليه
منها الثقافية والادبية والفنية والسياسية والتاريخية والجغرافية ..... ليقبل
في النهاية او لا يقبل .
وقد فشلت في كثير من الاحيان جهود مكافحة الفساد في مختلف دول العالم ، ذلك
أن الفساد جريمة سرية يصعب في كثير من الاحيان اثباتها من خلال الوسائل
التقليدية للأثبات والتحقيق ، بالنظر لأحتياط الفاسدين بعدم تركهم ورائهم دليلا
ماديا يشير الى تورطهم في هذه الجرائم ، بخلاف الجرائم التقليدية كالسرقة
والقتل والتزوير وغيرها التي يمكن تتبع الادلة المادية عليها بوسائل متعددة
منها البسيطة ومنها المعقدة ، أذ هي تتم في اغلب الاحيان بعيدا عن أعين
الناظرين وخلف الابواب الموصدة ،وليس هناك في الغالب مسرح واضح للجريمة ،
ويرتكبها في الغالب اشخاص على قدر من الدراية والمعرفة بأساليب الالتفاف على
القانون وفي تسخير المعرفة التي يمتلكونها لاغرض دنيئة ، ولذا يعجز ضحية الفساد
غالبا عن اثبات دعواه امام القضاء.
وازاء هذا التحدي الكبير سعى فقهاء القانون والعلماء في مختلف فروع العلوم الى
ايجاد انظمة قانونية وادارية واجهزة فنية جديدة تتسم بالفعالية والمرونة في
التطبيق تكفل الحد من هذه الظاهرة الخطيرة الى ابعد مدى ممكن ودراسة اسباب
الفشل الذي اعترى وسائل مكافحة الفساد ، فالتشخيص الدقيق للمشكلة جزء من حلها.
وكان من اهم هذه الاساليب هو الوقاية أي مكافحة الجريمة قبل وقوعها وتجفيف
منابعها من خلال انظمة دستورية وقانونية وادارية وفنية متنوعة منها:
اولاًـ انشاء هيئات مستقلة للرقابة :
ان فكرة انشاء هيئات مستقلة للرقابة هي نتيجة التجربة الانسانية المرة مع
الفساد حقاً ، فقد اثبتت التجارب الدولية العديدة قصور الرقابة البرلمانية
والرقابة الادارية ،اي رقابة الادارة على نفسها ، في اداء الاغراض المرجوة منها
، فقد ابتدعت البشرية خلال صراعها الطويل مع السلطة انظمة متعددة للرقابة
كوسيلة لكبح جماح القائمين على امرها وفرضتها بثورات دموية تاريخية أخضعت
وارغمت الطغاة على الاستجابة لمطالب شعوبها ، وهكذا ابتكرت الرقابة البرلمانية
والرقابة الادارية، والرقابة القضائية.
الا ان الرقابة البرلمانية ، وكذلك الحال بالنسبة للرقابة الادارية على اعمال
الادارة ، لم يفيا بالغرض المرجو منهما وهو تحقيق مبدأ سيادة القانون لاسباب
متنوعة، فقد ثبت من خلال الممارسة العملية قصور الرقابة البرلمانية عن اداء
دورها الرقابي بصورة فعالة لاسباب متنوعة منها ان السلطة التشريعية وان كانت
تسمو مركزا على باقي السلطات داخل الدولة من الناحية الدستورية ، الا ان كثرة
عدد اعضائها وضمها لاتجاهات فكرية وعرقية متنوعة وتميز اعمالها بالمنازعات
الفكرية ، جعل من اعمالها متسمة بالبطء والتأخير ، وهكذا تضيع مطالبات الرقابة
بين الاجراءات المعقدة والمجاملات السياسية.
كما لم تؤد الرقابة الادارية دورها بشكل فعال لاسباب متنوعة اهما قدرة السلطات
الادارية العامة بما تملكه من صلاحيات تنفيذية واسعة لاتملكها اية سلطة اخرى
ومنها هيمنتها على اجهزة القهر على تجاوز الرقابة والالتفاف عليها بصورة اخرى
فالادارة هنا هي الخصم والقاضي في ذات الوقت ، اذ ينشا في الغالب بين افراد
الادارات العامة نوع من التضامن المشوه يؤدي في احيان كثيرة الى التستر او
التساهل ازاء جرائم الفساد ، كما ان بعض القيادات السياسية قد تسعى للتستر على
فضائح الفساد لانها ذات تأئير قاتل على نتائج الانتخابات وتوجهات الرأي العام .
وقد تستخدمها في احيان اخرى لاسباب سياسية كوسيلة للقضاء على الخصوم السياسين
وتشويه سمعتهم ، وهكذا نشأت فكرة هيئات الرقابة المستقلة.
، وبالنسبة للرقابة القضائية رغم فعاليتها الاكيدة الا انها لا تتحقق الا
بناءا على دعوى ، لان القاضي لا يتدخل لفض المنازعات من تلقاء نفسه ، والقاعدة
في هذا الصدد ان القضاء مطلوب وليس محمول ، وقد لا تتحرك الدعوى لأسباب متنوعة
من أهمها تردد الناس وعدم الابلاغ عن قضايا الفساد خشية بطش وانتقام رجال
السلطة العامة ، ولهذا ابتكرت صلة وصل بين الرقابة والقضاء ، لسد الفراغ
الحاصل ، تتولى التحري عن قضايا الفساد وتحريك الشكاوى الجزائية أمام القضاء
بعد التحقيق فيها . هي هيئة النزاهة وهي جهة مستقلة محايدة.
ورغم إمكانية وجود الفساد في مختلف السلطات كما تشير التقارير الدولية كما
سنوضح ذلك لاحقاً الا ان السلطة التنفيذية في مختلف الدول تعد من اوسع مواطن
الفساد من حيث الكم والنوع ، بالنظر للمهات الضخمة الملقاة على عاتقها المتمثلة
في ادارة المرافق العامة للدولة وادارة عموم النشاطات الاجتماعية والاقتصادية
في الدولة ،وفي ضوء هذه المعطيات نشات الدعوة الى انشاء هيئات رقابية مستقلة
عن اية سلطة اخرى ، تتمتع بالاستقلال المؤسساتي الكامل ، اي الاستقلال الاداري
والمالي وفي سلطة اتخاذ القرار.
وتخضع هذه الهيئات لرقابة السلطة التشريعية،وذلك لتجنب التأئير السلبي
لحساسيات الاجهزة التنفيذية من هيئات الرقابة ومحاولاتها لاسقاطها اوتحجيمها او
التشكيك في جدواها، اما من الناحية الادارية فيكون الارتباط محدودا يقتصر على
قيام السلطة التشريعية على انتخاب المسؤول الاعلى للرقابة وعزله ودفعا لاحتمال
تدخل الطموحات السياسية للاغلبية البرلمانية في هذا التعيين فان الترشيح لهذا
المنصب يتم من قبل سلطة اخرى محايدة هي السلطة القضائية وينبغي ان تحصل موافقة
السلطة التنفيذية على ترشيحه. وهذا يمثل نوع من الرقابة المتبادلة بين السلطات
المختلفة ، فالاستقلال نسبي لا مطلق ، وهذا يمثل افضل الحلول ، ذلك ان
الاستقلال المطلق لاي سلطة من السلطات يقودالى الفساد والى نشوء نوع من
الدكتاتورية المؤسساتية التي تفقد التعاون اللازم بين هذه السلطات مرونته بعدم
اخذ اي سلطة من هذه السلطات الاعتبارات التي تهم السلطة الاخرى بنظر الاعتبار.
فالرقابة المتبادلة تمثل الحد النسبي لاستقلالية اي سلطة. وكي لا تتحول هيئات
الرقابة بدورها الى مؤسسة دكتاتورية فأن الذي يبت في قضايا الفساد التي تكشفها
هذه الهيئات هو القضاء. وجاء في المادة ( 36 ) من اتفاقية الامم المتحدة
لمكافحة الفساد ( تتخذ كل دولة طرف، وفقا للمبادئ الاساسية لنظامها القانوني ،
ما قد يلزم من تدابير لضمان وجود هيئة أو هيئات متخصصة او اشخاص متخصصين في
مكافحة الفساد من خلال انفاذ القانون . وتمنح تلك الهيئة أو الهيئات أو هؤلاء
الاشخاص ما يلزم من الاستقلالية وفقا للمبادئ الاساسية للنظام القانوني للدولة
الطرف ، لكي يستطيعوا اداء وظائفهم بفعالية ودون أي تأثير لامسوغ له. وينبغي
تزويد هؤلاء الأشخاص أو موظفي تلك الهيئة أو الهيئات بمايلزم من التدريب
والموارد المالية لأداء مهامهم.)
ثانياً ـ وجود نظام قانوني متميز لمكافحة الفساد :
سبق القول ان الاساليب التقليدية في مكافحة الجريمة لم تجد نفعا في مكافحة
الفساد، بالنظر لخصوصية هذه الجريمة المرتكبة من قبل اشخاص يتمكنون من محو
اثارها باستخدام صلاحياتهم القانونية او علاقاتهم ونفوذهم الاجتماعي والسياسي .
ولذا وجب ايجاد نظام قانوني بديل لمعالجة هذه الظاهرة الإجرامية ومن الانظمة
القانونية الفعالة قانون الكسب غير المشروع، فيما اذا احسن تطبيقه، وافضل جهة
لتطبيقه هي الهيئة الرقابية المستقلة وقد صدر مثل هذا القانون في عدد من الدول
ومنها العراق ،القانون رقم (15 ) لسنة1958المعدل النافذ ، ولكن إيكال امر
تنفيذه للسطات التنفيذية في جزء منه ادى الى تعطيله من الناحية الواقعية .
وهذا النظام القانوني الحديث الذي تعتبر اتفاقية الامم المتحدة لمكافحة
لسنة 2003 جزءاً مهماً منه لا يقوم على اثبات الفساد بشكل مباشر، كشرط البحث عن
دليل مادي ملموس عن الرشوة او الاختلاس وجرائم الفساد الاخرى حصراً، وانما ينقل
الاثبات الى جملة وقائع متصلة تجعل من واقعة الفساد امرا مرجحا ، كما انه ينقل
عبأ الاثبات من عاتق المدعي الى عاتق المدعى عليه ، خلافا للقاعدة العامة
للاثبات ، التي تنص على ان البينة تقع على عاتق المدعي، لأن الأصل براءة الذمة
، وعلى هذا فأن القواعد القانونية الثابتة لم تقف عائقا امام الفكر القانوني
الحديث وهو بصدد انقاذ الانسانية من مخاطر الفساد . ويتضمن هذا القانون الزام
الموظفين بتقديم كشف عن مصالحهم المالية، بما يملكونه من عقارات ومنقولات
وارصدة مالية واسهم وسندات وحقوق ، ومن ثم تتم مراقبة التطور المالي الحاصل
للموظف سنويا لتحديد الزيادات المالية الطارئة غير المعقولة قياسا الى دخله
السنوي المعتاد، مما يثير شبهة الفساد ومن ثم يخضع للتحقيق ، فأذا عجز عن اثبات
مصدر مشروع لأمواله ، التي حصل عليها بعد توليه الوظيفة العامة، تجرى محاكمته
وفقا لنصوص الكسب غير المشروع واخضاعه للعقوبات المقررة في هذا القانون .وقد
اوصت اتفاقية الامم المتحدة لمكافحة الفساد في المادة (20) بـ ( اعتماد ماقد
يلزم من تدابير تشريعية وتدابير أخرى لتجريم تعمد موظف عمومي اثراء غير مشروع
، أي زيادة موجوداته زيادة كبيرة لا يستطيع تعليلها بصورة معقولة قياسا الى
دخله المشروع . )
ومن الوسائل القانونية الحديثة ايضا ، التي تبنتها اتفاقية الامم المتحدة
لمكافحة الفساد في الفقرة (2) من المادة (13) ، قبول الشكاوي المغفلة ، اي التي
لايعرف اسم صاحبها ولا مصدرها، بعد ان كانت الشكاوي لا تقبل الااذا كانت مذيلة
بأسم وتوقيع صاحبها ، والسبب في اعتماد هذا الخيار هو تعرض المخبرين عن الفساد
وكذلك ضحاياه للتهديد والابتزاز او للتصفية من قبل مافيات الفساد في حالات
كثيرة مما يتسبب في أحجامهم عن الاخبار عنها ، ولكن قبول الشكاوى المغفلة حسب
وجهة نظرنا ينبغي ان يكون بحذر شديد ، وان لا تكون سبباً في تحريك الشكوى
الجزائية الا بعد استكمال عملية جمع الادلة او القرائن ، لانها بخلاف ذلك ستكون
محلاً واسعاً للشكاوى والاخبارات الكيدية ومن ثم الاطاحة بسمعة الاشراف من
الموظفين.
وعلى النحو الواجب من الفهم لا يعني اعتماد الشكاوى المغفلة كدليل او قرينة ،
وانما تؤخذ على سبيل الاستدلال على جغرافيا انتشار الفساد لتكون نقطة الانطلاق
في المراقبة والتحقيق ، ليقول القضاء العادل كلمته في النهاية .
ومن الضروري ايضا، حماية ضحايا الفساد الذين يضطرون لمسايرة الفاسدين ودفع
الرشاوي لانجاز معاملاتهم المشروعة، التي يعرقلها الفاسدين بغية اجبارهم على
دفع الرشاوي ، وذلك بأعفائهم من العقوبة المقررة لجريمة الراشي اذا ماقاموا
بأبلاغ السلطات المختصة مباشرة عنها ، اذ ان التعرض للعقاب هو السبب في احجام
ضحايا الرشوة عن الابلاغ عنها وكذلك في صعوبة الكشف عنها ، وفي الاعفاء من
العقوية مصلحة عامة ، اذ يساعد ذلك على الكشف عن عدد ضخم من وقائع الفساد ،
وهكذا يمكن ان يكون ضحية الفساد اداة قوية وفعالة في مكافحة الفساد. وقد نصت
المادة (311) من قانون العقوبات العراقي رقم 111 لسنة 1969 المعدل على انه (
يعفى الراشي او الوسيط من العقوبة اذا بادر بابلاغ السلطات القضائية او
الادارية بالجريمة او اعترف بها قبل اتصال المحكمة بالدعوى) ، ومن الضروري ان
يكون الجهد الاعلامي للاجهزة الرقابية مبرزاً لمضمون هذه المادة. وعلى هذا
النحو يمكن لمن اضطر الى دفع رشوة او كان وسيطاً بين الراشي والمرتشي ، ان يقوم
بعد دفعها بابلاغ السلطات عنها بموجب شكوى او بلاغ للادارة بشكل اصولي ، واذا
كان يعدمه الدليل فان تجمع عدد من الشكاوى ضد موظف معين من عدد من المشتكين
يمكن ان يكون دليلاً ضده ، باعتبار ان المشتكي يعتبر شاهدا بحسب نصوص قانون
اصول المحاكمات الجزائية رقم 23 لسنة 1971 المعدل ومن ذلك ما نصت عليه المادة
(167) منه ، على انه ( تبدأ المحكمة بالمناداة على المتهم وباقي الخصوم ثم تدون
هوية المتهم ويتلى قرار الاحالة وتسمع المحكمة شهادة المشتكي ..... )
ونلفت النظر في هذا المقام ان للقضاء السلطة التقديرية الواسعة في تقدير قيمة
الشهادة من الناحية الشخصية والموضوعية .
ومن الافكار القانونية الحديثة التي تبنتها اتفاقية الامم المتحدة لمكافحة
الفساد في المواد(21، 22) ايضا، تطبيق نصوص جريمتي الرشوة والأختلاس على وقائع
الفساد في القطاع الخاص ، بدلا من قصرها على الوظيفة العامة والتكليف العام كما
هو سائد في القوانين المقارنة ،وذلك بالنظر لتعاظم دور هذا القطاع في مجال
الخدمات العامة من خلال عمليات الخصصة والتزام المرافق العامة التي تجري على
نطاق واسع في كثير من الدول، مما يستدعي حماية المجتمع من فروض الفساد المتوقعة
في هذا المجال .
ومن الضروري أيضا إلغاء نصوص العقوبات الجزائية المقررة في قانون العقوبات
لجريمة القذف والسب وقصر ذلك على دعوى التعويض المدنية ، كما هو الامر في
العديد من الدول الديمقراطية ، اذ ان تلويح الفاسدين باللجوء الى هذه النصوص
العقابية غالبا ما يشكل مانعا من الابلاغ عن الفساد والفاسدين بسبب خشية
المبلغين من العجز عن اثبات دعواهم امام القضاء ومن ثم يقعون تحت طائلة التجريم
والعقاب.
ويمكن بتشريع تخصيص جوائز للمخبرين عن الفساد ، ووضع نظام عادل للحوافز يقوم
على معايير موضوعية لا شخصية لمكافئة رجال الادارة المخلصين المتفانين |