الستراتيجية العراقية المقبلة

نجاح العلي*

يعد التوقيع على إعلان المبادئ بين العراق واميركا في نهاية العام المنصرم، التمهيد لإضفاء الشرعية على الوجود الأميركي في العراق.. اذ تضمن ذلك الإعلان جميع ما له علاقة بالشأن العراقي سياسياً وأمنياً واقتصادياً ودبلوماسياً وثقافياً وتربوياً.

 ومع أن الجانب العراقي يتحدث بحذر عن اتفاقية واحدة، إلا أن الجانب الاميركي يتحدث عن (اتفاقيتين)، للتعويض عن الوصاية الدولية التي فُرضت على العراق وفق البند السابع من ميثاق الأمم المتحدة والتي تنتهي صلاحيتها مع نهاية هذا العام.

الاتفاقية الأولى هي "اتفاقية وضع القوات" التي تتعلق بالوضع القانوني للجيش الأميركي في العراق ومسؤولياته.. أما الاتفاقية الثانية فهي ذات "إطار ستراتيجي طويل الأمد" سترسي "تعاوناً في المجالات السياسية والاقتصادية والثقافية والأمنية". أما الجدول الزمني لإقرار الاتفاقية أو الاتفاقيتين فهو لايتجاوز الحادي والثلاثين من تموز المقبل، لتدخل أو (تدخلا) حيز التنفيذ مع نهاية العام الحالي.

لايمكن التنبؤ بردود الفعل لدى الفعاليات السياسية العراقية المختلفة حين تُعرض الاتفاقية أو الاتفاقيتان على مجلس النواب، فيقع بين جنباتها الكثير مما يسيء إلى سيادة البلد، ففيهما حرية تامة للجنود الأميركان وسماح للقوات الأميركية بالقيام بعمليات عسكرية أحادية الجانب من دون استشارة الجانب العراقي، واعتقال عراقيين وحصانة من الملاحقة القانونية في العراق للمتعاقدين المدنيين مع الولايات المتحدة. كما تتضمن إطاراً ستراتيجياً طويل الأمد للوجود الأميركي في العراق، إذ لم يصدر عن أية جهة من المشاركين في العملية السياسية رفض أو تحفظ على عقد هاتين الاتفاقيتين حتى الآن. فالمفاوضات تُجرى في أجواء على درجة عالية من السرية، ولم يتسرب من مسودة الاتفاقيتين إلى وسائل الإعلام سوى القليل جداً، ولكن من المتوقع أن تجد الحكومة معارضة شديدة من قبل التيار الصدري الذي لايخفي موقفه المعادي لوجود قوات الاحتلال والدعوة المتكررة لرحيله الى جانب بعض الفعاليات السياسية التي تعلن صراحة رفضها للسياسات الاميركية وستراتيجيتها في العراق والتي من الممكن ان تشكل جبهة واحدة لرفض هكذا اتفاقيات.

أما بالنسبة للجانب الأميركي فالاتفاقية الأولى تفرض على اميركا التزاماً أمنياً نحو العراق، فقد ورد في إعلان المبادئ المشار إليه أن الولايات المتحدة تقدم "ضمانات أمنية والتزامات تجاه جمهورية العراق لردع أي عدوان خارجي ينتهك سيادة البلد ووحدة أراضيه ومياهه وأجواءه".  ضمانات كهذه، بمثابة معاهدة التزام دفاعي يتطلب مصادقة مجلس الشيوخ الاميركي، وهي خطوة تسعى إدارة الرئيس بوش إلى الالتفاف عليها بالادعاء بأن من صلاحياتها عقد اتفاقية من هذا النوع، فهي على غرار الاتفاقيات العديدة التي عقدتها الولايات المتحدة مع عدد من دول العالم التي تستضيف قواعد أميركية على أراضيها.

ان حجم الجهود التي تبذلها اميركا في العراق، والأموال الضخمة التي تصرفها لبناء قواعد عسكرية تفوق ما هو مألوف في الدول الأخرى، كما هو حال مبنى السفارة الأميركية الذي يفوق ما سواه في العالم ويضم 2500 موظف. وهذا في الحقيقة يتجاوز كثيراً متطلبات توفير الضمانات الأمنية للعراق كما ورد في إعلان المبادئ.

واذا عدنا قليلا الى الوراء سنجد ان الشهادتين اللتين أدلى بهما كل من الجنرال بترايوس والسفير كروكر أمام اللجان المختصة في مجلس الشيوخ الأميركي في الثامن والتاسع من نيسان المنصرم، ساعدتا كثيرا على خلق الأجواء داخل الولايات المتحدة لتقبل فكرة وجود أميركي طويل الأمد في العراق، ففي تقريريهما لم يضعا تصوراً لستراتيجية انسحاب القوات الأميركية من العراق.

كما وجدت الولايات المتحدة في أكثر من جهة داخل العراق وخارجه عوامل مساعدة تعمل، بوعي أو من دونه، على خلق أجواء داخل العراق تلطف من وجودها العسكري فيه وتمنح حلفاءها مبررات للدفاع عن هذا الوجود، وهذه الجهات هي الجماعات المسلحة التي لايُعرف عددها ولاتُعرف قياداتها الحقيقية وارتباطاتها وولاءاتها، بما مارسته من أعمال قتل وسلب وسرقة وتهجير وتدمير للسلم الأهلي وإفراغ العراق من كفاءاته. وقد اختلطت في أحيان كثيرة أنشطة هذه المليشيات، التي يرفع بعضها شعار محاربة المحتل، مع أنشطة العصابات المحترفة في ارتكاب الجرائم. اما الجهات الاخرى فهي التدخلات السافرة والمدمرة لبعض دول الجوار في الساحة العراقية التي لم تعد خافية على أحد.

يرى كثير من العراقيين في بقاء القوات الأميركية لأمد معين محدود، ضرورة يفرضها الواقع وشرا لابد منه لاتقاء شرور أخرى.. وبين هذا الرأي وذاك يبقى الوقت وبنود الاتفاقيتين المزعومتين بين العراق واميركا هما سيدا الموقف لما سيسفر عنه من احداث وتجاذبات في الشهور القليلة المقبلة.

 

*اعلامي واكاديمي عراقي

 

   الرافدين
www.alrafidayn.com