أ.د. قاسم حسين صالح
يثير الصراع، بغض النظرعن نوعه، مشاعر سلبية قابلة للتراكم ويؤدي تكاثفها الى كره متبادل بين اطراف هذا الصراع. ونظرا» لآثاره المدّمرة التي يخلقها الصراع فقد عدّ البحث فيه،
بحسب تقرير قسم العلوم الاجتماعية لليونسكو، هو الأكثر كثافة من حيث تزايد الدراسات فيه على نحو غير مسبوق. ويعدّ علم النفس، السياسي بشكل خاص، واحدا» من اهم العلوم التي تعنى بدراسة الصراع والبحث عن ستراتيجيات للسيطرة عليه والحدّ من اثاره أو درئه قبل وقوعه.
وبحسب نظرية المجال فان الصراع يحدث نتيجة تطابق، أو احتكاك جزئي بين مجالي قوتين يتسم بطابع مشابه للاحباط..الذي يمثل حالة نفسية تنطوي على تعبيرات انفعالية سلبية، وسلوكية عدوانية واضحة، تنشأ عند مواجهة هواجس تعيق تحديد الاهداف المنشودة. ويجري عادة أن يقيم كلّ طرف في منافسة أو صراع، الطرف الآخر بوصفه عقبة تحول دون تحقيق مصالحه. لكن الاحباط يتباين من حيث درجته، من الانزعاج الى الاعاقة التامة لنشاط الانسان. وبهذا المعنى تتكاثف مظاهر أو اساليب السلوك العدواني مع زيادة شدة أو حدة الاحساس بالاحباط واليأس. أي، كلما كان الاحساس بالاحباط اشد كلما عبرّت سلوكيات الفرد أو الجماعة عن عدوانية أكبر. وفي هذا الاطار ينشأ الصراع عندما تتعارض المصالح وتتضارب، أو عندما يستلزم نجاح احد الطرفين الحاق الضرر
والاذى بالطرف الآخر أو اقصائه أو القضاء عليه تماما « ونفسيا»، ينشأ الصراع عندما يجد الفرد نفسه مجبرا» على السلوك أو النزوع باتجاه اتخاذ قرار ما في موقف يفرض بديلين للحل (احلاهما مر)، أو عندما يكون مجبرا» على الاختيار بين بديلين لهما نفس الدرجة من الجاذبية.
وفي نطاق اوسع يمثل الصراع حالة من التوتر تنشأ بين افراد أو جماعات نتيجة تعارض في المصالح أو الأهداف أو الطموحات، وهو حلقة اساسية في ممارسة التأثير أو النفوذ الاجتماعي على الآخرين، ما دام يشكل منطلقا لتغيرهم أو تغيير واقعهم، أو لتأسيس علاقات جديدة فيما بينهم . على ان اهم عوامل الصراع وتجلياته الانفعالية الحادة تكمن في المستوى العام للتوتر الذي يعيشه الناس والذي يتجسد في مدى اشباع حاجاتهم من عدمها، ودرجة التنافر أو التضارب في اهداف جماعات الصراع، وطبيعة العلاقات المتبادلة بين (الخصوم).
ولآن الصراع من المفاهيم المعقدة بسبب تداخل المعطيات بشأن نشأته وأسبابه وأطرافه ونتائجه ،فان الأمر يتطلب وضع تصنيفات له من حيث: عواقبه، ما اذا كانت مدمّرة حين تلحق الخسارة بجميع اطراف الصراع، أو بناءّة عندما تتحقق فوائد لأطراف الصراع. وما اذا كان يحدث لأسباب واقعية أو صراعات عرضية مؤقتة ( نتيجة تحالفات مع الأطراف المتصارعة الأساسية)، أو صراعات غير واقعية تنشأ نتيجة تقويمات خاطئة وغير دقيقة، أو صراعات ناجمة عن تعارض مصالح، أو نتيجة تضارب في الآراء والقيم، وما اذا كان الصراع بين جماعة وجماعة، أو جماعة وجماعات،أو جماعات ضد جماعات، او ما اذا كانت الصراعات منطقية مبنية على قاعدة من الفهم الدقيق والصحيح لأسباب الصراع،او غير منطقية تحدث لأسباب ترتبط بالفهم المغلوط وغير الدقيق لأسباب الخطر والتهديد..الى غير ذلك من التصنيفات التي ينبغي فهمها لدى محاولة حلّ الصراع أو خفض حدّته ودفع خطره.
وبما ان هنالك ثلاثة بدائل لحل الصراع:التنازل أو التسوية، الانتصار على « الخصم» ،التأخير والمماطلة في مفاوضات عقيمة..وان بديل التأخير قد استنفد في أزمتنا العراقية ،وأنه ليس بمقدور «الخصم» تحقيق الانتصار على «خصمه»، فانه لم يبق سوى بديل التنازلات المتبادلة.غير ان هذا قد لا يتحقق الا عبر وسيط محايد غير مسيس يفهم في ادارة الصراع وسيكولوجية أطرافه..ونرى أن النفسانيين العراقيين مؤهلون لأن يكونوا هذا الوسيط.


