مهدي مجيد عبدالله
قبل فترة قام شاب كردي مقيم في دولة الدانمارك بإحراق بعض صفحات القرآن (تحديدا سورة الانفال) و ذلك أثناء مشاركته في حشد جماهيري مندد بحملات الانفال التي قام بها حزب البعث المقبور في ثمانينيات االقرن المنصرم و قد أدت هذه الحملات الى إبادة 182 الف انسان كوردي بريء، و عقب انتشار مقطع فيديو يظهر الشاب و هو يمزق القرآن و يحرقه، قام بعض العلماء العرب و الكورد بإصدار فتاوى مختلفة تصب جميعها في ان هذا الشاب قام بإرتكاب كفر اكبر مخرج من الملة و على إثره يجب ان يقتل و توضع نهاية لروحه الشريرة الفاسدة.
و برأيي المتواضع فعل هذا الشاب الكوردي، أمر عادي ربما يرتكبه أي منا في حالة الحقن و الضغط النفسي الشديدين، عندما لا يجد شيئا آخر في متناول يديه كي يفرغ فيه شحنته الغضبية.
و إذا ما أطلعنا على النصوص الدينية المتعلقة بهذا الامر نجد ان حجة هؤلاء الشيوخ و الملالي باطلة و لا أساس لها دينيا و منطقيا، لإن قاعدة الامر بالمعروف و النهي عن المنكر التي أستند عليها هؤلاء الشيوخ و الملالي في أصدار فتاواهم، توجد ضوابط و روابط تتحكم فيها، من أهمها:
1 – إثبات التهمة على فاعلها، وتأطيرها و معرفة أبعادها و الظروف التي حدثت فيها و الدوافع المسببة لها.
2 - ان لا يؤدي تطبيق هذه القاعدة إلى إحداث ضرر أكبر من الضرر الكامن في الامر المراد تغييره و نهيه، فإذا كان تمزيق القرآن ضررا و منكرا، لا يجب ان نعالجه بتكفير الناس و أرعابهم و تشريدهم و تهديدهم بالقتل لإن الضرر أكبر مقارنة مع ضرر فعل التمزيق.
3 – أن تكون طريقة تطبيق القاعدة موافقة و مستنبطة من ( القران و أحاديث النبي محمد و كلام الصحابة و التابعين) و هذه الثلاثة هي مصادر التشريع في الاسلام، و أي تفسير او فتوى تخالفهم، تعتبر غير صحيحة، يجب ان يضرب بها في عرض الحائط، حسب كلام الجهابذة من الفقهاء و العلماء المسلمين سابقا و حاليا.
و قد أطلعت على أكثر من خمسين فتوى لعلماء السلف من السنة و الشيعة بصدد هذا الموضوع، تشابهت معظمها مضمونيا، ملخصها إن ( تمزيق القران عند الغضب يعد منكرا يوجب الكفارة على فاعله) و الكفارة هي [ الاقرار بالخطأ، التوبة، و عدم تكرار الفعل لا حقا ].
و حتى ان عد هذا الشاب مرتدا عن الاسلام، يجب في هذه الحالة أيضا ان تطلب منه التوبة و إذا حبذها فإن ماله و عرضه و لحمه و حاجياته محرمة على الغير، لا يجوز إتلافها أو الأستيلاء عليها، بإتفاق جميع المذاهب الاسلامية، و هذا الحكم الشرعي يتماشى و يتوافق مع النقاط المذكورة أعلاه.
يتضح مما ذكرنا ان فتاوى هؤلاء الشيوخ و الملالي، مخالف للشريعة الأسلامية، و حجتهم في تطبيق قاعدة الامر بالمعروف و النهي عن المنكر باطلة لا تستند إلى أي أسس صحيحة دينية كانت أم وضعية.
و جدير بالذكر ان دفاعي و دعمي لهذا الشاب من بني جلدتي و قوميتي الكوردية ليس الدافع ورائه تأييد تمزيقه و أحراقه القران، بل رفع الحيف الذي تعرض له على أيدي الملالي المشوهين و المفترين على دين الاسلام، و هذا هو ديدني في الكتابة، ان أساند المساكين و المظلومين اينما كانوا و من كانوا.
و على كل المؤمنين الصادقين و المخلصين لربهم، ان يستنكروا و بشدة فتوى التكفير و القتل الصادرة بحق هذا الشاب، و أن يساندوه، بخروجهم في مظاهرات، و جمع تواقيع، و كتابة مقالات و تقارير مناصرة، و أنشاء جروبات داعمة له في الفايس بوك و تويتر، و إطلاق حملات تضامنية معه، و غيرها من الامور و الافعال التي تساهم في تخفيف وطأة ما وقع عليه من غبن و ظلم و خوف شديد يعاني منه هذا الشاب حسبما اخبرني بنفسه خلال اتصاله بي قبل ايام.
و أرجو من القراء الأعزاء قبل إصدار حكمهم على هذا الشاب و سطور هذه المقالة، ان يضعوا أنفسهم مكانه و يطلعوا على الدوافع التي حثته على فعله، فضلا عن الظروف النفسية السيئة التي التي يعاني منها الآن، آنذاك فليقولوا ما يدليه ضميرهم عليهم.


