سالم مشكور
لو لم تكن القوات الاميركية صاحبة صفقة أجهزة الكومبيوتر ذات قيمة المليوني دولار وقامت بفضح الموضوع على رؤوس الاشهاد لكان مصير هذه السرقة ، كسابقاتها ، النسيان او التمييع في لجان تحقيقية لم تصل يوما الى اعادة حقوق الناس المسلوبة .هذا طبعا إذا ما صحت الانباء التي قالت ان الجزء الاكبر من هذه الاجهزة المباعة بالمزاد تم استرداده .
نعم هي سرقة ، رغم ان «مسؤولي الجمارك» قالوا انها بيعت وفق القانون . لكن ذلك لا ينفي عنها صفة السرقة . لماذا؟: لاسباب لا تبدو خافية على اي عاقل. فالثمن الذي بيعت به الصفقة (50 ألف دولار لبضاعة قيمتها 2 مليون دولار) وهوية من اشترى هذه الصفقة ، وسرعة «تطبيق القانون!» في مكان يعج بالمخالفات القانونية ليس آخرها الرشا التي تدفع في أكثر من اتجاه ،إنما يرجح انها «صفقة مبيتة» ، وفساد يفتقد مرتكبوه ذرّة من ضمير أو وجدان ، تماما كما هم المتعاقدون مع وزارة التجارة الذين أطعموا الناس من « زبالة» المواد الغذائية المستوردة مقابل أعلى الأثمان المدفوعة من مال الشعب . بل ان أبطال قضية الكومبيوترات يرتكبون جريمة «استراتيجية» بحق الانسان عبر المساهمة في استمرار حرمان طلبة المدارس الذين كانت الاجهزة مخصصة لهم ، من وسيلة اللحاق ، ولو بنسبة قليلة ، بما وصل اليه مستوى التعليم في الدول الاخرى .
هل يمكن لعاقل ان يقتنع بالتبرير الذي صدر عن الجهات المعنية بان «شحنة الكومبيوترات بيعت بالمزاد بعدما مضت عليها المدة القانونية البالغة ثلاثة اشهر دون مراجعة أصحابها لترخيصها» وان المعنيين لم يكونوا يعلمون مصدر وهدف هذه الشحنة. ربما تكون معرفة هذه المعلومات وراء استعجال «تطبيق القانون» عليها ظنا من الفاعلين بان الجانب الاميركي لن يلاحق الصفقة لاسباب عدة بينها انه يحزم امتعته للرحيل الآن. لا يعني فضح الجانب الاميركي لصفقة بيع الشحنة أن الاميركيين لا يقبلون باي فساد او تفريط بالاموال ، بل على العكس ، فقد ساهموا على مدى سبع سنين بترسيخ حالة الفساد وشارك بعضهم، الكثير من الفاسدين في العراق في فسادهم ونهبهم للمال العام العراقي والاميركي ، وها هي لجان الكونغرس الاميركي تشهد بين الحين والآخر استجواب عسكريين ومدنيين اميركيين حول فساد مالي في العراق . أحد هذه الاستجوابات كان يدور حول صفقات وهمية ومليارات ضاعت دون اي اثر لها ، لكن المحزن ان المفتش العام في الخارجية الاميركية الذي كان يتعرض للاستجواب استنكر على اعضاء الكونغرس تحقيقهم في الموضوع بالقول : «لماذا تسألون عن هذه الاموال؟ إنها ليست أميركية بل عراقية» . هكذا اختفت عشرات مليارات الاموال العراقية التي تسلمها الجانب الاميركي من صندوق الامم المتحدة ، ومعها ارصدة عراقية مجمدة في البنوك الاميركية منذ قطع العلاقات بين البلدين. لكن أموال شحنة الكومبيوترات كانت أميركية وبالتالي تلاحقها المساءلة القضائية هناك ، كما ان الصحافة الاميركية تكشف ما تصل اليه من حقائق الفساد محمية بالقانون. ترى ماذا لو كان الوضع عندنا مشابها لما في واشنطن ولم تكن لدينا تغطية سياسية العمليات النهب الكبرى وطمر للفساد بحجة الحفاظ على الوضع السياسي ؟.
إنها جزء من أزمة الضمير التي تعصف بنا وتمنع اية معالجة لاوضاعنا.


