علي جاسم السواد
افرزت السنوات الماضية العديد من الدخلاء على العمل الاعلامي لاسيما مع وجود مؤسسات اعلامية مأجورة مدعومة باموال خارجية لتنفيذ اجندة خاصة تهدف الى عرقلة المسيرة الديمقراطية في العراق وتضع حواجز تحول دون تقدمها الامر الذي يتطلب وضع آليات وقوانين تنظم عمل الاعلام في البلاد، وهذه ليست المرة الاولى التي اتقدم بها بهذا الطلب، وقد طالبت في اكثر من مناسبة بضرورة وضع قانون ينظم عمل الاعلام والاعلاميين في العراق ويحدد واجباتهم ويضمن حقوقهم لاسيما ان العملية الاعلامية في ظل الاجواء الديمقراطية تحتاج الى الكثير من الجهد والعمل الدؤوب لمواكبة التطورات الهائلة التي حصلت في المحيط الدولي وبلوغ مكانة متقدمة في مارثون السباق الاعلامي والسبق الصحفي، لان ترك المسار الاعلامي متكئاً على الاجتهادات الفردية والكيفية التي تنطلق من منطلقات شخصية من شأنه ان يؤسس لمفاهيم خاطئة ورؤى مشتتة للرسالة الاعلامية ما يجعلنا نهرول في دائرة مغلقة لايمكن الخروج منها ويبقينا على الاسلوب النمطي والكلاسيكي في كتابة الخبر او التحقيق او المقال ويغلق اذهاننا عن اية فكرة تطرح للتجديد والتطور.
وبالرغم من بروز كتاب عراقيين ذوي قدرة عالية في التعامل مع المرحلة الراهنة وامتلاكهم مخيلة خصبة مكنتهم من احتلال مكانة مهمة في مجال الصحافة الا انه مازالت هناك قطيعة واضحة بين ماننتجه الان من عطاء اعلامي وبين ما يمكن ان ننتجه اذا ماسرنا في اتجاه التغير الكامل لطريقة فهمنا للكتابة والنقد التي تمثل الرأي والرأي الاخر، وهذا لايمكن ان يتم من دون وجود رؤية مشتركة بين المؤسسات الاعلامية في العراق من خلال التنسيق المستمر ووضع التصورات والاليات المناسبة التي تخدم العاملين في هذا المجال وتضمن حقوقهم وترد الحيف عنهم، وفي الوقت نفسه تميز بين الاعلاميين المتمرسين عن الطارئين على المهنة، وماحصلت من انتهاكات لحقوق الصحفيين في العراق خلال السنوات الماضية والتي تراوحت مابين عمليات اغتيال منظمة وبين الاعتداء بالضرب وبين منعهم من ممارستهم عملهم بحرية ومهنية تمثل حالة سلبية من حالات الفوضى التي تكتنف العملية الاعلامية بسبب عدم وجود قانون ينظم عملهم.
الحكومة اعلنت اكثر من مرة عن ضرورة ايجاد تبادل مشترك بين الصحفي والمسؤول، مايلزم مؤسسات الدولة والمسؤولين التعاون مع الاعلاميين وتقديم جميع التسهيلات التي تمكنهم من انجاز عملهم بكل شفافية، بالمقابل، على الصحفي ان يكون مهنياً في نقل المعلومات والحقائق وان لا يستغل مهنته لتحقيق اهداف شخصية، وهذه الدعوة تعكس مدى الحرية التي كفلها الدستور للسلطة الرابعة التي حرصت الحكومة على حمايتها، من دون ذلك فان انعدام الرؤية الواضحة ستترك فجوة كبيرة بين المؤسسات الاعلامية وبين مؤسسات الدولة الاخرى. العراق دولة ديمقراطية تسمح بالنقد بجميع اشكاله لكن ينبغي ان يكون قائماً على ادلة وبراهين ثابتة حتى ان وجدت هذه الادلة فان مهمة الاعلامي يجب ان تنحصر في نقله المعلومة كما هي وليس عليه اعطاء وجهة نظره، وللاسف الشديد نجد العديد من القنوات التلفزيونية اصبحت جزءاً من المنافسة السياسية وكانها طرف ند للحكومة ومؤسساتها، فنجدها تنتقد اي اجراء تتخذه الحكومة وتقف الى جنب الاطراف المعارضة وتؤيد اعمال العنف ولا توجه اللوم الى الارهابيين او التنظيمات المسلحة في حين تلقي بكل اللوم على الاجهزة الامنية، وهذا بحد ذاته يمثل حالة سلبية تعكس تراجع المستوى الاعلامي لبعض المؤسسات الاعلامية.
يبدو ان العديد من وسائل الاعلام ومن ينتمي اليها من اعلاميين استغلوا حالة الضبابية التي تحيط بالعملية الاعلامية لاسيما مع عدم وجود منهاج اعلامي واضح ينظم العلاقة بين الاعلامي وبين المؤسسات الحكومية ما يجعل وجود خلل في التعامل بينهما، فالصحفي ملزم ان يؤدي وظيفته بحرية وحيادية في حدود الاخلاق والاداب العامة لان وظيفته تحتم عليه كشف الحقائق وايصالها بموضوعية وحيادية للرأي العام، والمسؤولون ملزمون على احترام هذه الوظيفة والتعمل معها وفق الاسس الاخلاقية والقانونية التي تؤمن للصحفيين الحصول على المعلومة بسهولة ويسر ومن دون وجود ما يعيق عمله.
المطلوب الان من المؤسسات الاعلامية بجميع انواعها ان تبحث السبل الكفيلة بالحفاظ على حقوق الاعلامي العراقي والارتقاء بعمله وعليها ان تضع ضوابط لتحديد مبادئ الاعلام وتفرض على الجميع عدم تجاوز هذه المبادئ وان تكون المهنية والموضوعية مقياساً للمنافسة الشريفة لان ما يمارسه بعض الاعلاميين من استغلال لوظيفتهم من اجل الحصول على الشهرة والمناصب الكبيرة والامتيازات تمثل حالة سلبية ودليلاً على غياب الرؤية لدى العديد منهم وهو مايمثل بداية لانهيار العمل الاعلامي في العراق وتركه ينزلق نحو الهاوية.
الفرصة مازالت متاحة امام الاعلاميين للملمة شملهم من خلال وضع قانون للاعلام وتأسيس مؤتمر اعلامي موسع يناقش حقوقهم ويعطي كل ذي حق حقه، ونعتمد على الاجواء الديمقراطية وننطلق في اجواء الحركة الاعلامية الشفافة التي تتجرد من الولاءات والتحزب لاننا الان امام مفترق طرق وينبغي ان نختار الطريق الانسب والاصلح لنا.


