يعقوب يوسف جبر الرفاعي
الناخبون أفرادا وجماعات يتفاوتون في صفاتهم الثقافية النفسية والفكرية والمهنية والوظيفية والسياسية، لذلك هم يشكلون طبقات اجتماعية مختلفة الاتجاهات.ومعنى ذلك انهم ليسوا متوحدين ضمن خيار واحد هو التصويت للشخصيات المدنية التي تمتلك مؤهلات محددة وخبرات مكتسبة تمكنها من ممارسة الوظيفة التشريعية والرقابية بالشكل الذي يضمن بناء هيكل السلطة التشريعية الناجحة ،
ومن ثم العمل على بناء وتنمية نموذج الدولة المدنية وليست الطائفية أو دولة الحزب الواحد ، فرجال التشريع والرقابة يجب أن يكونوا مدنيين بعيدين عن التعصب أو التحزب الذي ُيضعف دور سلطات الدولة ويربك خططها ومشاريعها وبرامجها التنموية ، لذلك باتت الحاجة ماسة إلى نشوء مجتمع مدني تنمو بين أوساطه طبقة وسطى مدنية لها تأثير واضح في العديد من القرارات السياسية خاصة مايتعلق منها بالتصويت للمرشحين لذلك ثمة جملة من العوامل التي تصنف أفراد وجماعات هذا المجتمع هي التي تتحكم باتجاهات الناخبين هي كالتالي :
1. الحاجة للدخل المادي الأفضل الذي يعد دافعا أساسيا يقود صنفا من الناخبين إلى اختيار المرشح الأكفأ حسب رأيهم ؛ الذي يضمن لهم حياة الرفاه المادية ، فمن المعلوم أن ذوي الدخول المنخفضة يميلون إلى المرشحين الذي يجدون حلولا جذرية لمشكلاتهم المتراكمة التي أوصلتهم إلى مستوى الفقر ، بينما يفقد المرشحون الذين لايهتمون بهذا الجانب قيمتهم وتأثيرهم ، ومن البديهي أن المرشحين الذي يتمكنون من إقناع هذا النمط من الناخبين وطمأنتهم بقدرتهم على تحقيق طموحاتهم المتمثلة بالحصول على فرص العمل والأجور والحياة المادية المرفهة ، سيحتلون مكانة مرموقة في الوسط الاجتماعي ومن الممكن جدا أن يحققوا الفوز بشغل مقاعد في السلطة التشريعية ، لأنهم بإطلاقهم للوعود المتطابقة مع حاجات هذه الطبقة الفقيرة سيعملون على تعزيز اتجاهات أفراد هذه الطبقة وجذبها نحو التصويت لهم حصرا.
2.المستوى التعليمي وهو عامل يختلف عن العامل الأول لأنه مرتبط بطبقة اجتماعية أخرى هي الطبقة الوسطى التي يملك أفرادها دخلا ماديا إما ممتازا أو جيدا لذلك يركز هؤلاء في اختيارهم لنمط آخر من المرشحين على جوانب أخرى ، منها إسهام صنف آخر من المرشحين في التخطيط لبناء وتطوير البنى التحتية الارتكازية والإنتاجية وتوفير مساحة الحريات المنظمة دستوريا كحرية الصحافة والإعلام والتعبير عن الرأي وحرية التظاهر وسواها من الحقوق ، كما يتطلع هؤلاء الى تطوير وتحديث مشاريع التنمية في كل المجالات دون استثناء ومنها تطوير قطاع التعليم والبحث العلمي وإصلاح البيئة وتوفير مستلزمات تنمية القطاع الصحي كما يرغب هؤلاء في قيام حكومة متوازنة في علاقاتها مع دول العالم .
3. الوضع الوظيفي المتعلق بصنف آخر من الناخبين يمكن تصنيفهم أيضا ضمن الطبقة الوسطى وهم المهنيون وهؤلاء ينطلقون في عملية التصويت من خلال خبراتهم المهنية وطبيعة عملهم التي تفرض عليهم التصويت لنمط محدد من المرشحين ممن يعززون اتجاهاتهم المرتبطة بتلبية طموحاتهم في المجال المهني وتحقيق أهدافهم في قطاعات الأعمال التي يمارسونها ، فالعمال والفلاحون وأصحاب المهن الحرة يسارعون إلى التصويت لصالح المرشحين المهنيين ؛ ممن تربطهم معهم مصالح مشتركة تتضمن توفير فرص عمل لهم وسن التشريعات ؛ التي تكفل لهم الضمان الاجتماعي مستقبلا وتعويض إصاباتهم أثناء العمل وحماية حقوقهم المادية والمعنوية بعد بلوغهم مرحلة التقاعد ، ومن البديهي أن أفراد طبقة العمال ضمن القطاع الخاص هم الأكثر طموحا للحصول على هذه المكتسبات ؛ بسبب عدم توفر تشريعات في الوقت الحاضر تحميهم وتضمن معيشتهم في المستقبل بعد أن يصبحوا عاجزين عن توفير الدخل عبر العمل ، حيث نجد أن الأمر منحصر بطبقة عمال ومهنيي قطاع الإدارة العامة ، لذلك من أولويات طبقة عمال ومهنيي القطاع الخاص أو إدارة الأعمال التصويت للمرشحين الذين يضمنون لهم المعيشة والدخل الجيد وحياة الرفاه ليس فقط في عمر الشباب بل أثناء فترة الشيخوخة أو العجز أو العاهة
4.الأحزاب السياسية التي يتشابه المنتمون إليها في طبائع اختياراتهم فهم يميلون إلى التصويت للمرشحين الذين يشاركونهم في الانتماء السياسي ، وهنا تسقط قيمة الدعاية التي يقوم بها المرشحون المستقلون من الأصناف الأخرى تجاه خيار هؤلاء المتحزبين الذين يفضلون إعطاء أصواتهم لثلة من السياسيين البارزين في أحزابهم ، وبهذا يكون الأمر محسوما مسبقا حيث عملت بعض الكيانات السياسية قبل أشهر بإجراء انتخابات تمهيدية داخل إطار تلك الأحزاب لتعزيز مكانة بعض السياسيين وتشخيصهم وإعطاء صورة واضحة المعالم عنهم تجعل الناخبين المتحزبين أمام خيار واحد فقط لارجعة عنه هو التصويت لهؤلاء بسبب العلاقة السياسية المتينة التي أوجدها الحزب السياسي والتي تربط مابين الطرفين.
5. الجماعات الفكرية وهم صنف من الناخبين ممن يقتربون كثيرا في قناعاتهم ونقدهم وتقييمهم بالنسبة للعديد من القضايا خاصة السياسية ، فهم يمارسون ثقافة تحليل الواقع بالأدوات نفسها ويعطون الحلول المتقاربة جوهريا بالنسبة لمشكلات كثيرة ، فمثلا يتماثلون في اقتراح بناء دولة مدنية نموذجية تحترم التعدد الطائفي والقومي والثقافي وتتيح مساحة واسعة ومناسبة لإطلاق الحريات ، لذلك يميل هؤلاء إلى التصويت للمرشحين الذين يشاطرونهم هذا الرأي الذي يشكل عصب قيام دولة تحترم الحقوق وتحمي المسؤوليات والوظائف والمال العام من غائلة الفساد.نخلص إلى القول إن التجربة السياسية العراقية بالنسبة لثقافة الناخبين لم تصل بعد إلى ذروتها التي ينخفض خلالها مستوى تأثير بعض العوامل على بعض الناخبين تلك التي تأتي في الدرجة الثانية من الأهمية، فيما تبرز عوامل أخرى هي الأكثر أهمية من سواها لتحتل الدرجة الأولى في سلم الأهمية والتأثير ؛ فهي التي تحدد ميزات أفراد الطبقة الوسطى أو الناخبين المثقفين ممن يدأبون على تقييم حجم المرشحين الذين يملكون تجربة سياسية واجتماعية وتشريعية وإدارية فذة تؤهلهم لأداء وظيفة التشريع والرقابة بصورة ناجحة.


