شاكر النابلسي
سوف يمرُّ زمن غير قصير حتى يتبين الباحث العربي حقيقة ما كان يجري في النصف الثاني من القرن العشرين، وخاصة فيما يتعلق بالخطوات السياسية المهمة وبالقرارات العسكرية، التي أدت إلى الحروب العربية مع إسرائيل. فرغم هذا الكم الهائل من الكتابات والأبحاث العربية حول هذين المحورين (السياسي والعسكري) إلا أن الحقيقة ما زالت خافية على كثير من الباحثين ومنهم – مثالاً لا حصراً – المفكر السياسي السوري الراحل ياسين الحافظ.
ماذا لولا الاستعمار والصهيونية؟!
يناقش ياسين الحافظ في كتابه "في المسالة القومية الديمقراطية، 1973" أسباب فشل الوحدة المصرية – السورية في دراسة مطوّلة. ويكتشف القارئ بعد الانتهاء من قراءة هذه الدراسة، أن الاستعمار والصهيونية هما سبب فشل هذه الوحدة، علماً بأن الحافظ كان من المفكرين العقلانيين الواقعيين والواضحين في رؤاهم السياسية. ولكن الحافظ لم يحاول في هذه الدراسة، أن يبين لنا جانب القصور الإداري الذاتي الناتج عن نقص في العلم والخبرة الإدارية لإدارة مشروع وحدةٍ ضخم كهذا، من قِبَلِ زعيم لم يكن له باع في السياسة، ولا ذراع في الإدارة. كذلك لم يُعرِّج بنا الحافظ على دراسة الصلاحيات الدستورية المطلقة، التي توَّجت عبد الناصر ملكاً ذا حق إلهي على سوريا ومصر، له صلاحيات ملـوك القرون الوسطى المتمتعين بالحق الإلهي، والذين كانوا يضمون بين أيديهم السلطتين التشريعيـة والتنفيذيـة، كما كان ينصُّ دستور دولة الوحدة المصرية - السورية آنذاك.
عائقنا التخلف وليس الفقر
ولكن هناك بعض الباحثين القلائل جداً من وضع إصبعه على جرحنا الحقيقي، وشخَّص لنا علتنا، وقال بأنه في ظل موجة العقلانية التي بدأت تجتاح العالم العربي في نهاية التسعينات، ونحن نودِّع القرن العشرين الذي انفجرت في نهايته ثورة المعلومات، وشهدت فيه البشرية ثورة التكنولوجيا، فإن موطن الداء الحقيقي الذي يُعيقنا، هو داء التخلف، وليس الفقر.
فبعضنا أغنياء متخلفون، ومعظمنا فقراء متخلفون.
إذن: فكلنا متخلفون، وليس كلنا فقراء.
والفقر لا يعني دائماً التخلف، كما أن الغنى لا يعني دائماً التقدم.
فبلد كالهند مثلاً، تُعدُّ من الفقراء المتقدمين علمياً.
فهناك تقدم مع الفقر، ولكن لا تقدم مع التخلف.
ولم تتوحَّد وتتقدم أمريكا – مثلاً - إلا بالنور الذي جاء به الأوروبيون من أوروبا، ذات التنوير، والإصلاح الديني، والثورة الصناعية، والثورة العلمية، والاكتشافات المذهلة، في القرن الثامن عشر، والقرن التاسع عشر. وما الوحدة التي حققتها أوروبا في نهاية القرن العشرين إلا نتيجة لهذا كله. وبالطبع، نتيجة لعصر ثورة التكنولوجيا والمعلومات، ولم تأتِ من فراغ.
أما نحن، فما زلنا – كما قال حبيب حداد "الوحدة العربية إلى أين؟"- "مجتمعات متخلفة، وشعوبنا مذلة مستعبدة، تحكمها أنظمة استبدادية فردية شمولية، وقوانا وحركاتنا السياسية متخلفة وقاصرة. وأن التعرُّف على حقائق هذا الواقع ليس دافعاً لليأس والإحباط، بل إنه يمثل نقطة البداية الجادة والسليمة، لتجاوز هذا الواقع، ومواصلة مسيرة الوحدة القومية."
الستينيات: عقد الهزائم العربية
لا شك بأن محور الوحدة العربية، قد احتل جزءاً كبيراً من مساحة الفكر العربي في النصف الثاني من القرن العشرين. ولا شك أن قيام وسقوط الوحدة المصرية – السورية، كان مع هزيمة 1967 من أهم المحاور السياسية العربية. وأن الستينيات من القرن الماضي التي شهدت هزيمتين كبيرتين للعرب: في وحدتهم عام 1961، وفي هزيمتهم العسكرية عام 1967 كانتا أسوأ فترات التاريخ العربي المعاصر. ومن هنا، انصبَّ الاهتمام على هاتين الكارثتين اللتين كانتا تُفسِّر منطلقات ومكونات العقل السياسي والاجتماعي العربي. فلا شك أن غياب الأسلوب العلمي الذي يقوم على أساس من الواقع، وخلطنا بين الشعار والواقع، كان من أسباب هزائمنا.
قُبّعات لا تناسبنا!
ويرى بعض الباحثين، أن تبنّي الفكر العربي في هذه المرحلة للفكر الغربي الذي وُضع – خصيصاً - لحاجة المجتمع الغربي، وكحلول لمشكلات هذا المجتمع ومتطلباته، ومحاولة تقييف Alteration هذا الفكـر، لكي يكون ملائماً للمجتمع العربي ومشكلاته، قد أعاق حرية الفكر العربي. وبالتالي – وكما يقول المفكر السوري/ مُطاع صفدي - دخل هذا الفكر في " عصر البدائل، واعتزل الواقع وقواه الجماهيرية. ووصل الأمر به أخيراً إلى القبول بإلغاء ذاته، عندما قنع بمهمة النقل، والترجمة العقائدية، عن عقائديات التجارب الإنسانية الأخرى السابقة، أو الموازية، والمجاورة، حتى أصبح الفكر السياسي العربي تعاطياً مع الأدلجة بمختلف أدواتها."
جناية الإيديولوجيا العربية
وزادت الإيديولوجيا العربية الطين بلّة. وكانت جناية على المستقبل العربي.
فلقد أضرَّت الإيديولوجيا بالعرب ضرراً كبيراً، ووقفت حاجزاً في وجه تقدمهم. وعلى سبيل المثال، فعندما تمَّ الربط بين الوحـدة والإيديولوجيا ربطاً تاماً، متمثلةً بالاشتراكية العربية، التي طُرحت على مستوى واسع في العهد الناصري، وفي الستينيات على وجه الخصوص. فلا تحققت الاشتراكية ولا تحققت الوحدة. وذهبت الاشتراكية أدراج الرياح. وأصبحت من الأدبيات التاريخية التي تُقرأ ولا تُطبَّق، وتُهمس ولا تُلمس. كما عادت الوحدة حلماً من الأحلام، وابتعدت عن أرض الواقع، لتصبح طيفاً من الأطياف، عندما أُقيم نوعٌ من التلازم الأيديولوجي بين الوحدة والاشتراكية بصورة تسمح بتبرير الهدف في تحقيق كليهما معاً، بدعوى أن كل واحدة مشروطة بالأخرى.
كما أن ارتباك جميع التيارات الإيديولوجية، وعدم وضوح رؤيتها، وفشلها، عندما دخلت أفكارها حيز التطبيق، كان سبب هذا الضياع وهذه الحيرة. كذلك، فإن غياب النظرية العلمية الجامعة، يعني أن الفشل الذي يلقاه العمل العربي، قد يؤدي ليس فقط إلى تدمير الأمل والثقة بمستقبل عربي، بل إلى الشعور بخلل ذاتي في الهوية القومية العربية نفسها، وإلى تحويل فكرة دولة القوة إلى قصد غير واقعي، وإلى أسطورة.
هل كان التراث العربي عائقاً؟
يظن بعض الباحثين، أن من عوائق التقدم العربي اعتماد فكره على مرجعيات تراثية، لا تفيد شيئاً في العصر الحديث، حيث اختلفت مقاييس المنجزات السياسية التي تخلَّصت من العصبيات في الماضي. ولم يعد لحساب العصبيات في هذا العصر حساب. ولكن أصبح الحسـاب الأكبر لدفاتر الحساب نفسها، وما تقوله من أرقام، وما تشير إليه من مصـالح. والفكر العربي لا يزال يردد النمط الفكري السابق، ويعيش من تراث فكري، دللت الأحداث على إفلاسه.
هل نحن أمة؟
يتساءل بعضهم قائلاً:
هل القومية العربية عائق من عوائق تقدمنا؟
لقد أصبحت المسألة القومية في مأزق، من خلال مأزق الفكر القومي نفسه. وأن مأزق الفكر، نبع من قفزة فوق السؤال المهم:
من نحن؟
كما تكوّن مأزق الفكر من الإجابة المتسرعة عن هذا السؤال، بالقول:
نحن أمة !
بينما كان السؤال يستدعي جواباً عميقاً، يستند إلى دراسة طويلة، تتناول التركيـب الثقافي والاجتماعي والاقتصادي والسياسي، واكتشاف النسق الخاص بالأمة العربية، والديناميات التي تحكم حركة المجتمع العربي، وتحدد مستوى تطوره، ومستقبل هذا التطور في الظروف المتغيرة.
الحاجة إلى الهبوط على الأرض
إن الأحلام السياسية الرومانسية، كانت مرحلة من المراحل التي عشناها بعد الاستقلال السياسي، في النصف الثاني من القرن الماضي. ونحن اليوم في أشد الحاجة للهبوط على الأرض، وتلمّس العوامل الواقعية والفعلية لقوتنا، وتضامننا، ووحدتنا السياسية. وسنجد على الأرض التي سنهبط عليها عدة حقائق، كنا غائبين عنها في متاهات الشعارات الرنانة، والخطب السياسية الطنَّانة والمخدرة للعقل. ومن هذه الحقائق التي يجب علينا أن ندركها، أن المصالح الاقتصادية، هي التي استطاعت بالدرجة الأولى أن تُثبِّت أقدام أول وحدة عربية قامت واستمرت في الجزيرة العربية متمثلةً بالمملكـة العربية السعودية في العام 1932. فقد تمثلت المصالح الاقتصادية في البداية في حاجة نجد إلى ذهب الحجاز، الذي كان يأتيها عن طريق الحج والعمرة حتى الستينيات من القرن الماضي، ثم حاجة الحجاز إلى ذهب نجد الذي جاءها من البترول بعد ذلك. إضافة إلى أن الحجاز وسواحله، كانت على درجة كبيرة من الأهمية التجارية. كما كان الحجاز على مدار التاريخ مركزاً للتجارة بين الشمال والجنوب بدءاً من إيلاف قريش ورحلة الشتاء والصيف.
كذلك، فالرغبة في إزالة تضارب المصالح بين البدو والحضر في المثال السعـودي، أدى إلى نمو تيار وطني موحد. ومما أدى كذلك إلى نمو هذا التيار، الرغبة في وجود سلطة مركزية بين الحضر بشكل خاص، ترعى مصالحهم، وتُثِّبت الأمن والسلم الضروريين لسير وازدهار الحياة الاقتصادية في بلاد نجد ومن ثم الحجاز، الذي كان يعـاني من الاضطراب الأمني، والفوضى، وقطع الطرق التجارية، ويتأثر اقتصادياً من جرّاء ذلك، فيما لو علمنا أن مورد الحجاز الرئيسي المالي قبل اكتشاف النفط، كان يعتمد بالدرجـة الأولى على مواسم الحج والعمرة والزيارة، وخلاف ذلك. وكانت هذه المواسم مهددة بسبب غارات البدو على قوافل الحجيج، مما كان يهدد بالتالي الوضع الاقتصادي الحجازي ويقلقه، والذي لم يستطـع الهاشميون، ومن قبلهم العثمانيون، أن يقطعوا دابره في الماضي، ويرسّخوا الأمن، وهو ما فعله السعوديون. وفيما لو علمنا أيضـاً أن القوافل التجارية بين نجد والعراق وبلاد الشام شمالاً، واليمن جنوباً، كانت طرقها مهددة باستمرار بغارات البدو وقطّاع الطرق، الذين لم يقدر عليهم أمراء نجد المتنازعين قبل قيام الدولة السعودية. ومن هنا يتبين لنا، أن العامـل الاقتصادي، كان الدافع الأساسي لوحدة نجد والحجاز في 1932.
مثال آخر على الأرض
والمثال الآخر الذي نشاهده على الأرض عندما نهبط عليها ونرى الواقع على حقيقته، هو الوحدة العربية الأخرى، التي قامت في العام 1971 متمثلةً في دولة الإمارات العربية المتحدة وفي اليمن بين الشمال والجنوب عام 1990. وتتمثل المصالح الاقتصادية هنا، في حاجة الإمارات الصغيرة غير المنتجة للبترول (الشارقة، عجمان، أم القيوين، رأس الخيمة، والفجيرة) إلى ذهب الإمارات المنتجة للبترول (أبو ظبي، ودبي). كما تتمثل في اليمن في حاجة الشمال اليمني إلى الجنوب اليمني، وعلاقته التجارية مع العالم الخارجي، من خلال ميناء عدن البحري المهم.
وحاجة الفقير الصغير الضعيف إلى الغني الكبير القوي في هذه الأمثلة العربية، يُحيلنا إلى حقيقة أرضية وواقعية، وهي أن الحاجة الدافعة إلى الوحدة، لا تتم إلا في مجتمع بدوي بسيط، ومجتمع تجاري خالٍ من الأدلجة، وعقدة الزعامات المتزاحمة.


