كاظم الحسن
كان يحلو للجنرالات في العراق عند قيامهم بانقلاب عسكري ان يطلقوا عليه بالانقلاب الابيض طالما استلموا السلطة من دون عنف او اراقة الدماء، وهي حالة نادرة في تاريخ العراق المعاصر، والغرض من ذلك اكتساب شرعية مزيفة. فكيف الحال بصناديق الاقتراع البيض التي تحوي اصوات المواطنين في عقد اجتماعي قائم على التراضي والقبول؟
لاشك ان من يحوز على ثقة الشعب يمتلك الشرعية السياسية التي بقيت لفترة طويلة قائمة على القوة والاستحواذ والهيمنة والبيان رقم واحد، في حين ان الانتخابات الديمقراطية تحتاج الى بيان منظمات المجتمع المدني والمفوضية العليا للانتخابات، ومراقبين دوليين، وبيان من الحكومة المنصرفة، وقبول دولي واقليمي وتعدد في القوى الفائزة، انها انتخابات وليست بيعة !
يوم السابع من آذار الجاري هو اول يوم في تاريخ العراق يتوحد العراقيون فيه حول صناديق الاقتراع ويمتلكون خياراتهم الحرة ويعبرون عن آرائهم من دون خوف او وجل. انهم يصنعون تاريخهم بأيديهم او بالاحرى بالسبابة البنفسجية. يذكر التاريخ ان مأساة العراقيين - كما يقول الجاحظ - انهم اهل فطنة وفهم وهذا يؤدي الى التبصر والمحاججة وعدم الاذعان وكأنها سبة، ولكن هذه الخصال المتقدة هي لصالحهم في الانظمة الديمقراطية التي تفتح قريحتهم على السؤال والتمحيص والنقد وهي اساس تطور الشعوب التي تتحرر من القمع والكبت وتنمو من جراء ذلك مواهبهم وقدراتهم الفكرية والنفسية والعقلية والاجتماعية.
ولذلك نرى ان الدورة الانتخابية الحالية اكثر نضجا من السابقة ، فهي عززت من الثقافة الانتخابية والروح الديمقراطية حتى اصبحت احاديث الشارع او الرأي العام هي عن صناديق الاقتراع والخيارات السلمية وضرورة احترام الرأي الآخروالتعايش والقبول بين المكونات العراقية على اساس ماهي عليه وليس على اساس مانرغب او مايجب، وهذه الصورة سوف تنتقل بالضرورة الى المحيط الاقليمي والدولي الذي عليه ان يقبل العراق كما هو وليس كما هو متخيل او ضمن شعارات هلامية تسجنه في قفصها وتجعله يعيش في مشاريع فاشلة لطالما افقرته وحطمته رغم غناه المادي والتاريخي.


